عبر أحاديث عشنا من خلالها طفولته .. طفولة لم أعهد لها واصفا كمثل هذا الراجل.. وكانه خرج من نفسه ووقف شاهدا عليها.. ساردا لها سردا يشاكس قلبك.. فيُطرَب مرة ويبكي مرة ويضحك أخرى.. وتارة يفيض حنانا فيسري في عروقك دفئ ..ووخز أمنية مغرورقة في دمعة قديمة تتصاعد مرارتها في حلقومك..
حديث ها الرجل يقض مضجع ذكرياتك العتيقة ..فتتسابق صورها المكنونة للقفز أمامك.. فها أنت تحمل حقيبتك منتظرا الحافلة الصفراء.. وها أنت ذا فرح بشبابك وحماسك و إثبات وجودك.. وها أنت ذا ينادى اسمك وغابة من الكفوف تصفق من أجلك.. وها أنت تحمل بين يديك وسام جدك وجهدك طارقا أبواب الوظيفة..
وها أنت تتعثر.. وتنتظر.. وتتوظف.. وتظلم .. وتتداخل أصوات التصفيق ودقات الفرح خلف ضلوعك .. وتتقطع أنفاس فرحتك.. ويموت شيء ما .. هناك .. بعيدا كما ماتت فرحته حتى عرض شهادته للبيع.. !!
وإلى حلبون يأخذك في رحلة ترسمها كلمات محدثنا رسما تصدقه مخيلتك بشغف يتجاوز حد الخيال.. وكأنك كنت رابع الثلاثة.. فهذا الأستاذ هذا الشاعر وهذا محدثنا وهذا أنت ..تجلس خلفهم وهم يتنقلون أمامك من مشهد إلى مشهد.. فتضحك لهذا .. وتعجب لذاك .. ويلقى ظنك نصيبا من خيبة ظنونهم حين تحول الموكب الذي تأملوا حضوره إلى دابة عجفاء خصصت للأستاذ وهم ثلاثة أنت رابعهم .. فيكملوا رحلتهم راجلين وأنت راجل معهم..وتضحك ملأ شدقيك ومحدثنا يصف المستقبلين لهم في حلبون بعد كل ذلك العناء والشقاء..
وتضع يدك على قلبك وتكاد تفر دمعة من عينيك ومحدثنا يرثي العيد الذي فقد بهجته .. ويذكر مناقب أيامه التي بلغت من البساطة مبلغا كست عيدها فيها ببهجة اصطبغ بها القلب حتى خالطت عروقه وتغنت بها دقاته.. ثم تلاشا كل ذلك بلمسة سموها حضارة .. وكانت حضارة أوروبية!!
ويستوقفك تفاجأه ببلوغ عمر الثلاثين ومراجعته لنفسه وجرده لمقدار ما حصده في الثلاثين.. ندمه على التفريط في الأدب.. وحنينه للقراءة للرفاعي ومعروف الأرناؤوطي وغيرهم مِن مَن زخرت كتبهم بالفضائل والعلوم.. واستنكاره لعلو سوق الرذيلة وبوار سوق الفضيلة..!! ولا تكاد تفرغ من التهام آخر سطور هذا المقال حتى تسمع سؤاله يطن في ذهنك.. ماذا بقي لي من هذه السنين؟؟
عمله في التدريس.. وعلاقاته بتلاميذه.. تجعلك تتمنى أن تلقاه معلما.. تشد رحالك إلى مدرسته بلهفة.. تجلس بين صفوف طلابه بأدب جم .. تنصت إليه.. تعب من علمه وأدبه وأبوته وأخوته عبا حتى الثمالة.. ثم يأتيك وصفه لفراق بيته وأهله.. ثم فراق تلاميذه ولبلاد بدأت جذور حبها تضرب في أرضه.. سافر إلى العراق معلما والتقى بتلاميذه كارها مفارقة أهله .. وما فارقهم إلا وهو مكره على فراقهم.. ألا ليت الفراق يفارقنا..
ولله دره وقد كسى مزاحه وقارا وحذاقه حين جاءه الغلاظ الثلاثة يسألونه أين أباه وهم في الحقيقة يسألون عنه.. وكيف ساير كاتبنا المعلم البغدادي حتى أذهله وهو الذي إبتدره بالسباب فرد عليه بالأدب.
ويالقوة اتخاذ القرار حين تسلل إلى نفسه الغرور من فجوات الشهرة والمجد الأدبي ..فانتشى بفرحة نشر مقاله الأول في الجرائد .. وخرج محلقا وخيالات الشهرة و المجد تدفعه وتحلق به .. حتى استيقظ فجأة متسائلا ما الذي سيجنيه… فودع صناعة الأدب وأقبل على الفقه حين وصل إلى إجابة هذا السؤال.
حنينه للجقمقية.. وأيام دمشق التي لم يكن يعرف من الدنيا فيها إلا “المتع الفاضلة والفضائل الممتعة” والمدن التي تكبر وتشيخ حين تنزع عنها حلل الأصالة وتكسى عبثا بأثواب ظاهرها حداثه وباطنها تشويه وتغريب
والكثير والكثير من الأحاديث التي لا يسعنا الكتابة عنها .. فهي جميلة هكذا كالعذراء مكنونة في خدرها.. كالجوهرة مصانة في صندوقها .. علينا الوصول إليها في مكانها لنظفر بها.. ولتخلع علينا من رشاقة أسلوبها وكريم مواعظها وبلاغتها أثوابا حيكت بجمال يليق بالطنطاوي.. ذلك الرجل الذي تألم حد الإبداع.
اللهم ارحمه واغفر له واجزه عنا خيرا.

لكن هناك شي بين السطور، شيء يعتصر قلبه الدافئ حديثه عن الحب كان مغلفاً بالغموض مالو كان احب وصدم بمن احب، وترك الامر كله، ولم يخض به ربما لادبه واحترامه واخلاقه… مداخلة بسيطة لشخصية عظيمة
أفراح الجفري
إعجابLiked by 1 person
نعم إن لهذا الرجل أدب جم بنى به حروف كتابه هذا بابا بابا .. ليت شعري هل الحزن الذي تعبق به كلماته ينبع من كسر الحب لقلبه..؟
ولعمري بقدر ما استوجعنا بقدر ما استمتعنا..
إعجابLiked by 1 person
كانت لي وقفة مع نفسي و انا اقرأ كتاب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله و غفر الله……… ان تشارك الناس حديث نفسك ليس امرا بالسهولة التي اتصورها…….حديثه عن ايام دراسته و اساتذته و زملائه و مواقفه الكثيرة التي ذكرتني بما مررنا به تماما على مقاعد الدراسة جعلتني احن للماضي الجميل بتفاصيله…….. حزنه على والدته و ترقرق الدمع من عينيه كلما اتى على ذكراها آلمني جدا…. و احسست انني التي فقدت……. حبه للأدب ووفاؤه له اعجبني….. اعقبه اعترافه بانخفاض رغبته و حماسه للكتابة في وقت ما….. تواضعه و تأملاته الشخصية في الدنيا ودراسة الدين جعلته يزهد في الدنيا…. فكان حديثه من قلبه إلى قلوبنا…… خيل إلي في لحظة من اللحظات أنني اقرأ سيرة تشبهني…… فمن حديث نفسه تعلم و علمنا….. تفكر و فكرنا…….. تأثر و تأثرنا….. فضفض واستمعنا…. أراح و استراح………
اللهم ارحمه و اغفر له و لا تفتنا بعده
إعجابLiked by 1 person
فضفضته مثال يحتذى .. ليتنا كلنا نستطيع أن نسطر فضفضة أنفسنا في كتاب يقرأه الناس فيثريهم.. و يحرك قلوبهم..
إعجابLiked by 1 person
لعلنا نجد في إصداراته الأخرى ما يشفي توقنا لمعرفة قصة حبه.. نتمنى ذلك من أعماق قلوبنا.. فياترى رجل مثله كيف يحب.. وماذا فعل بالحب و ماذا فعل الحب به.. ولماذا غلف حبه بالغموض كما ذكرتي.. أسئلة تثير فضول التعلم عندنا .. نريد أن نتعلم هذا منه كما تعلمنا كل تلك الأشياء..
إعجابLiked by 1 person
أسعد إلى حد التحليق حين يخبرني أحدهم أن كتاب ما نفض الغبار عن صورة ما بداخله فبدت مختلفة او أصبحت أجمل.. لهذا نحن نقرأ لنتعرف على أنفسنا.. لنعرض ما قرأنا على عقولنا وقلوبنا و النفس منا.. لتتكشف لدينا عوالم أخرى .. متشابهة إلى حد ما في مظهرها .. ومختلفة في جوهرها..
ونعم عذب حبه لأمه.. وما حزنه والكآبة إلا لأنه اكتشف أن العالم الحقيقي مختلف تماما عن عالم الطفولة و آمال الشباب وحماسهم.. وهذا واقع .. نعيشه..
معجبة أنا بما كتبت.. ولعمري إن القراءة والكتابة عما قرأتي أظهرت شيئا من جواهرك المكنونة.. حررت الكلمات واثرتنا..
إعجابLiked by 1 person
كتاب من حديث النفس…قلب كل كياني …لقد أثار فضولي وتعجبي لكل ما كتبه…. حسدته على جرأته لمواجهه نفسه والتحدث معها… كنت أظن أن هؤلاء البشر (الملتزمين) لا يوجد لديهم أخطاء أو زلات أو حتى مشاعر نفس مشاعرنا الجياشة… تعجبت من تذمره وتمرده على الأشياء التي تضايقه… وحبه الصافي لأمه… أحسست عند قراءتي للكتاب بأنه كان مكتئب من شي ما … وهذا يظهر من تذمره الدائم من الأحداث والتغيرات التي طرأت له..كان بودي أن يتحدث عن حبه لزوجته أو كيف كانت … وعن تربيته لأولاده … لأكتساب بعض الخبرات منه …أعجبتني مقولته أن كل ما تطلبه كل نفس، إنها تطلب العودة إلى موطنها الأول، كأنه يعيش في غربة دائمة ، وفي إعتقادي إنه وصل لهذا الحد لإيمانه القوي بالله، وإنه لاشيء في هذه الدنيا يستسيغه، رحم الله إمرئ عرف قدر نفسه، هذه المقولة تنطبق عليه تماماً ، أعجبتني طريقة تحدثه مع نفسه ، كأن نفسه شخص يلازمه دائما ، يمازحه ويأنبه ويعاتبه ويحاسبه، وهي ترد عليه أيضاً ، كأن الحديث متبادل بينهم، مما قوى أواصر الترابط بينهم فزهد بدنيا … وأعطى أجمل ما لديه…
اللهم ارحمه واعفو عنه ….
إعجابLiked by 1 person
أسعد إلى حد التحليق حين يخبرني أحدهم أن كتاب ما نفض الغبار عن صورة ما بداخله فبدت مختلفة او أصبحت أجمل.. لهذا نحن نقرأ لنتعرف على أنفسنا.. لنعرض ما قرأنا على عقولنا وقلوبنا و النفس منا.. لتتكشف لدينا عوالم أخرى .. متشابهة إلى حد ما في مظهرها .. ومختلفة في جوهرها..
ونعم عذب حبه لأمه.. وما حزنه واكتآبه إلا لأنه اكتشف أن العالم الحقيقي مختلف تماما عن عالم الطفولة و آمال الشباب وحماسهم.. وهذا واقع .. نعيشه..
معجبة أنا بما كتبت.. ولعمري إن القراءة والكتابة عما قرأتي أظهرت شيئا من جواهرك المكنونه.. حررت الكلمات واثرتنا..
إعجابLiked by 1 person
كلماته… كلماته… اترنم بها طوال وقتي فهي تغنيني تصفني تثيرني وتريني جانبا من نفسي ما عدت اطيق رؤيته …
فمن انا يا ترى؟؟

إعجابLiked by 1 person
أنت جمال يضاف إلى هذه الدنيا.. وجوهرة من جواهر سجال..
إعجابLiked by 1 person