بلال وبلال وحريه!

لسنا ندري من أين نبدأ الحديث عن هذه الرواية (شيفرة بلال) فبقدر ما كتبت بلغة سائدة بسيطة بقدر ما حملت رسائل ومعاني عميقة تلامس الروح منا والنفس و تعمل التفكير في عقولنا إعمالا..
فمن بلال ابن لاتيشا ذلك الطفل الأمريكي الذي يباغته السرطان ثم يحرره من خوفه ومن خجله ومن الاكتراث بالحياة ثم يحوله الى حكيم تفوق حكمته عمره بقليل.. ثم يصر على ترك بصمة في هذه الدنيا التي سرعان ما يتركها.. إلى بلال ابن حمامه ذلك العبد الذي أهينت موهبته بالغناء .. ومرغت كرامته في التراب  ثم صمد على الجر والسحل والحجر ثم تحرر فانتصر على العبودية وعلى مقته لأميه وردت الكرامة إلى صوته بالأذان..
إلى لاتيشا التي انتصرت على الفقر علما و استعبدها سعيد حبا.. وصارعت مديرها العنصري بحكمة حتى صرعته ..وأحييت “كونتا كنتي” قراءة ونقاشا وحوربت ثم فطر بلال قلبها ورحل..
إلى أمجد الذي سلبه الحب مروءته حتى استعبده.. وسكن الإلحاد قلبه حتى كاد يعميه لولا بلال ابن لاتيشا الذي دفع إلى البحث في تاريخ بلال ابن حمامة و في دينه دفعا..
أمجد الذي أيقضه البلالين من استعباده.. ولملمت تساؤلات بلال بن لاتيشا شتات فكره .. وثم القى في جوفه المظلم إلحادا ذرات من نور..
إلى سعيد الذي ضيع وأضاع وضاع .. إلى كرستين التي تطفلت حتى تمكنت وتبجحت حتى طردت.. وليتها لم تذكر ..من شخصية إلى شخصية تصاعدت بنا الأحداث وصالت وجالت حتى انتهت وليتها لم تنتهي.
شيفرة بلال أيقظتنا من غفلة العمر المديد.. واضعة الموت أمام أعيننا.. ذلك الموت الذي حول بالا ابن لاتيشا الى قلب شجاع محب .. تجاوز كل مخاوفه حتى خوفه من الموت نفسه.. وحول ما تبقى له من عمر الى حكمة وفرحة ومواجهة.. ترى.. نحن المنعمين بالحياة المتوجين بالعافية والدعة.. ماذا ننتظر حتى تعتنق قلوبنا تلك الشجاعة..
شيفرة بلال علمتنا قصة بلال ابن حمامة كما لم نعلمها من قبل.. فلم نقرأ صوت بلال ابن حمامة من قبل وهو يفكر .. ويتدبر.. ويصارع هواه ويقينه.. لم نتخيل حجم ألمه وإيمانه.. لم نعلم من قبل أن للإيمان سحر لا يفوقه سحل ولا رجم ولا حجر.. لم نعلم ما لمعنى أن تكون حر بأمر .. لا من سيد ولا من راعي ..بل من رب العالمين – من سلطة من قوة جبارة أصيلة – قبل قراءتنا لهذه الرواية.
ولم نعلم أن الحجر حين سخر لسحق الحق في صدر مؤمن ليس كالحجر الذي وظف عبثا لخدمة الخزعبلات الوثنية في عقاب لا نهائي.. نعم.. هناك فرق .. بالبطل باطل و الحق حق..
وكم تجلى حجم ضعف ألائك الذين يختبئ جبنهم خلف أثواب الثراء وهالات القوة .. وهم يستنفذون طاقاتهم الغشيمة وعتادهم المادي لطمس الحق..نعم.. كان أمية وسادة قريش ضعفاء.. لم تنفعهم أموالهم ولا نفوذهم ولا عضلات أيديهم وارجلهم ..ولا حبالهم الصوتية في حربهم ضد الحق..
متى يعلم هؤلاء أن لاطاقة تضاهي الحق.. وأن عتاد الحق الصدق.. وحصنه الروح.. والحق إن تمكن منها لا يزهق وإن زهقت.. وأن التاريخ على امتداده مليء بمقابر الباطل فهل من زائر لها متعظ.؟
ولله در تلك الرسائل التي نشرها بلال ابن لاتيشا في مدونته.. رسالته الى ابيه.. الى أمه .. إلى أمجد وإلى السرطان.. كم نجح الكاتب في تجسيد احاسيس طفل يغفو كل يوم على عتبة الموت ويكتب للدنيا رسائله الأخيرة.. وكم نجح في الانتقال عبر المستويات الفكرية لشخصيات روايته وخاصة بين البلالين وطلاب لاتيشا وهم يتدارسون رواية جذور..
إلا أنه في ربوع هذا الجمال لم نجد في الرواية داع لذكر كرستينا.. وليتنا نحاور الكاتب فيها .. لعله يفهمنا علة وجودها التي لم نرى – بالإجماع في سجالنا- له عله.. ولم نجد لبوادر الحب المتوقعة بين لاتيشا و أمجد من علة.. ولم نجد لرضوخ أمجد لكرستينا من علة كما لم نجدها في استئساد عليها بعد ظهور لاتيشا في حياته عله.. و لم تجد إحدانا في صدور الكتاب بالتزامن مع وصول فلم (بلال) لدور السينما علة سوى دعاية ذكية للفلم .. ارتكزت الى حد ما على استدرار التعاطف (مرض بالا بالسرطان.. اختفاء ابيه من حياته).واستدرار للعاطفة (كرستينا وامجد.. ثم أمجد ولاتيشا) مع الاشادة بخوضه الفلسفي لقضية العبودية والايمان..
روية شيفرة بلال .. فلسفة في العبودية والإيمان.
ودمتم.

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑