آه يا أبا جورج

هل أنت مرتاح في جلستك يا جورج؟.. بهذا السؤال يفتتح جون أولاف رسالة التي كتبها لإبنه جورج قبل أن يفارق الحياة مبكرا ساخطا على قصر حياته نادما اشد الندم بل ومتحسرا على زمن آت لن يحضى هو فيه بصحبة ابنة برؤيته يكبر..

كم هذا مؤثر بل أنه أعمق من أن يكون فقط مؤثرا.. لسؤالك هذا يا أبا جورج وقع على قلبي فأغرقه في لجة من شجون جياشة وجعل يغوص حتى سكن على قاع ما في داخلي أعمق من أن يكون روحي..

(هل أنت مرتاح في جلستك ياجورج) أي حب أي حسرة تنضح من هذه الكلمات..أكاد أسمع صوتك جون.. أكاد ألمس كم الحب والحزن في نبرة  صوتك الأجش الذي لم يسمعه جورج منذ إحد عشر عاما.. أم تراه سمعه تماما كماسمعته وأنا اقرأ رسالتك؟

ترى كيف كان حال قلب جورج وهو يقرأ سطورك العتيقة أنت أيها المتوفى..؟ وماذا عنا نحن الذين نقرأها الآن.. ما حال افئدتنا إذا ما جاءتنا رسالة من حبيب عتيق الموت.. ؟ مالذي سنتمنى سماعه منه.. مالذي نريد معرفته عن شعوره اتجاه نفسه.. اتجاه قدره.. اتجاه الدنيا واتجاهنا..؟

أي سر نرغب أن يبوح به إلينا..؟ أي درس من دروس مصيبة رحيلة نحتاج الآن تلقيه منه..؟ مالذي عجز عن اخبارنا به حيا..؟ ماذا نتوقع منه بعد كل هذا الفراق .. والاشتياق والظنون والحسرة والندم .. ومئات الامنيات الجافة .. ؟ آه يا أبا جورج .. تعيث رسالتك في أرواحنا أمنياتا أيقضت كل ذاك الركام..أنجرؤ على تلقي رسالة من عتيقي الموت ..؟ أنجرؤ..؟

(هل أنت مرتاح في جلستك يا جورج).. نحن الذين لم نرتح في جلستنا الآن يا أبا جورج.. فإن لنا من الأحباب من رحل إلى حيث رحلت يا أبا جورج.. رحلوا قبل أن تصحوا أرواحنا من سكرتها بجمالهم .. كانت ثملة أرواحنا بهم .. ثملة..ولك أن تتصور يا أبا جورج كيف تصحو رح ثملة حين تنزع من ثمالتها انتزاعا..

حمدا لله.

حسنا يا أبا جورج.. فلنترك هذا الجانب مما اشاعته رسالتك فينا.. دعنا نلتقط انفاسنا .. دعنا نسكن برهة ليعود الركام ركاما.. ولنتحدث قليلا عن فتاتك .. تلك التي أحالت حكايتك معها إلى أسطورة ذات قواعد لا يفهم لماذا توضع ولا يمكن مناقشتها.. ولا يمكن للأسطورة أن تكتمل إلا بوجودها.. كنت في حبك أسطوريا.. وكان مرضك ثم موتك أسطورة أخرى.. كانت حياتك أساطير في بضع سنين..

لنا أن نتصور يا أبا جورج كم هذا موجع.. موجع أن تسكنك امرأة .. تسكنك يا أبا جورج.. هل فهمت يا جون..؟ تسكنك للحد الذي يمنع أي شيء فيك من السكون .. و يفتح لقلبك مصاريع الخيال فتجنح .. وتؤلف القصة تلو القصة عنها.. عن برتقالها .. وممطرها.. وذاك الذي شاهدته في صحبتها.. ثم تجمع عظيم شوقك وما نفذ من صبرك وتلحق بها فتتكشف لك الأسرار.. وتفهم على غير نهج الاساطير لماذا وضعت فتاتك كل تلك القواعد.. ثم تجتمعان على أمل أن لا يكون هناك فراق ثم تفترقان وبالكاد أثمرت حدائق حبكما الأسطوري هذا.. لنا أن نتصور يا أبا جورج كم الوجع.. ويالها من فتاة فتاتك تلك.. أحبتك.. ثم اختبرتك.. ثم بادلتك هذا الحب حبا.. يالفطنتها.. ويالجمالكما..

أما رسالتك.. فقد كانت سفرا مطعم بالجمال بقدر الألم.. أهدينا فيها للحب تنهيدة.. واستطعمنا جمال الصبر.. وهللنا للفرج.. وكدنا نبكي على الفجيعة.. ووقفنا طويلا عند سؤالك الكبير الخارج من رحم السخط والخوف والقهر .. (مالذي كنت ستختاره لو اتيحت لك الفرصة .. ) وضعت جورج بين أمرين لا خيار ولا اختيار له فيهما..(هل كنت ستختار العيش وقتا وجيزا على هذه الأرض…… ردحا من الزمن….. ثم تنزع منها…… لا تعود إليها أبدا….. أم…. سترفض العرض ليس إلا..؟) من له الخيرة يا أبا جورج..

وفي ختام لم نشأ أن نختمه.. السيد جوستاين غاردر شكرا على كل هذا الجمال.. السادة دار المنى نرفع لكم القبعة ونصفق طويلا على هذا الاختيار.

9 رأي حول “آه يا أبا جورج

اضافة لك

  1. عندما قرأت هذه الرواية لم أكن أعلم أنها ستزيد من حزني و ألمي وحسرتي هل أخطأ من نحب حين رحل بدون رسالة و هل أخطأنا حينما لم نكتب كل تلك الرسائل لهم لم نخبرهم بمدى حبنا لهم بمدى نعلقنا بهم .. في صغري و في كبري لم أفهم فلسفة الرحيل لماذا وجب عليهم الرحيل .. ما زلت أفكاري تعصف بي مازلت لا افهم امور كثيرة ما زالت اشعر انني صغيرة على فهم رحيلهم.. رواية جدا رائعة لها فلسفة جميلة في أدب الرحيل في أدب الذكرى أتمنى أن يقرأها الجميع

    Liked by 2 people

  2. كان الأب متألما لفراق إبنه وهو في عمر 4 سنوات ومتألما لما سيشعر إبنه من بعده
    هل كا فعل الوالد صحيحا عندما ترك لولده رسالة؟
    هل تلك الرسائل تعتبر حياة ام مأساة ؟
    هل كان عليهم أن يتركوا رسائل لنا قبل وفاتهم
    هل كان علينا أن نعطيهم بعض الرسائل قبل أن يرحلوا ؟!!

    Liked by 2 people

  3. ترى ..
    هل علينا فهم لماذا رحلوا.. ولماذا سيرحلون..؟
    وهل نحن محتاجون لفجأة رحيلهم حتى ننتبه لكل ذلك الحب الذي نكنزه لهم.. لماذا لم نمنحهم اياه وهم بين ظهرانينا.. لماذا لا نغدقه بلا إغراق..
    وألف لماذا والماذا..

    أما عم فعل الاب في الرواية..
    اظنه كان مدفوعا لذلك دفعا..
    دفعته حسرته على سرعة رحيله..
    حسرته على قصر التنعم بحبه الذي اضناه الظفر به..
    وأمانة أن يكون أبا.. يعتني بابنه ويعلمه.. ففي قصته تلك كمنت معرفة عظيمة .. ودروس انتقلت به فورا من عالم المراهقة الى عالم الرجال..
    كان أمينا ابا جورج.. لم يرغب في الرحيل دون أن يترك لإبنه شيء منه ينفعه معنويا.. وكم نحن فقيري المعنويات

    Liked by 2 people

  4. بالنسبة لي اعتقد الافضل ان لاتكون هناك رسائل لانها ستزيد من حزننا على من رحلو…..و الافضل ان يكون التعبير عن الحب اثناء حياتنا معهم…..لماذا يكون التعبير عن الحب متأخرا دائما…..هل عندما نشعر بالندم فقط نعبر؟ اعني الندم على عدم تعبيرنا في الوقت المناسب لمن نحب ؟ افضل الا يكتب لي احد رسالة تجعلني ابكي طويلا على مشاعر لم اشعر و لم يقلها لي من احب….ربما يسعد ذلك الشيء اشخاصا آخرين و لكنني لن اتحمل مضاعفة الم الرحيل بألم مشاعر حبست و لم اعرفها في وقتها

    Liked by 2 people

  5. اتفق كل الاتفاق معك.. فلنحبهم اليوم .. الآن في التو واللحظة.. ترى مالذي يمنعنا من أن نعيش الحب مع كل من نحب..؟

    Liked by 2 people

  6. انا لم أقرأ الرواية ولكنني سأعلق على سؤالك .. برأيي هناك نوعان من رسائل الراحلين فمن كان يحبني ويظهر حبه ولم يبخل علي بوجوده بهذا الحب .. أحب أن يكون لي منه رسالة بعد رحيله رسالة تقويني ان ضعفت ان خانتني قوة التحمل فتكون الرسالة طوق نجاة من حزني عليه تذكرني بالأيام الجميلة .. أما من كانت رسائل رحيله نقيض مشاعر وجوده .. فلا اريد هذه الرسائل لانه لا هدف منها سوى زيادة الاحزان .. لا احب رسائل الندم ..

    Liked by 2 people

  7. جميل .. زاوية فكرية جديدة.. من لم يكن لك حبا أبدا.. لن يسعفه قلمه وهو على مشارف البرزخ..
    فالحب باقة عامرة.. مختلفة ألوانها..

    Liked by 2 people

  8. فتاة البرتقال كتاب يبحر بخيالك إلى جزيرة درامية فى إطار خالص من الرومانسية والمشاعر الدافئة، ترافقه موسيقي خلفية هادئه تحمل بين طياتها أكاليل من المشاعر والاحاسيس التي طالما حاولنا أن نخفيها حتى علي من نحب…
    وأثر في كثيراً سؤال الأب لإبنه “هل كنت ستختار أن تأتي إلى الحياة مع علمك أنك ستفارقها وتفارق من أحببت؟” لقد جعلنى أشعر بمعني آخر بين السطور لسؤال الأب لإبنه “هل الحياة جعلتك تفتقدني كأب؟ ياتري من سيفتقدنا حين نرحل؟!!!

    أحياناً تمنعنا دوامة الحياة اليومية أن نعيش الحب مع من نحب نتيجة لإختلاف تحديد أولوياتنا وأحداث الحياة المتسارعة التي تؤثر علي اتجاهاتنا وتفكيرنا، وبالتالى ننسي الاستمتاع بأبسط النعم التي أنعم الله بها علينا …و قد أستحضرني شعور خاطف عند قراءة الرواية هو التوقف للحظات نقتنصها من حياتنا لنغلق أعيوننا ونتأمل فيها من حولنا ونسأل أنفسنا هل أحسنا قول وداعاً لمن نحب؟!

    Liked by 1 person

  9. لله در قلمك يامرة..
    نعم.. فلنتوقف قليلا.. ولندرك أن الحب نعمة عظيمة.. فلنغدقها على من نحب دوما.. ولنتنعم بكل تفاصيلها حين تغمرنا..
    كلنا .. ومروة
    أينما حللتي اترك أثر من حب في كل ركن.. في كل عين.. في كل قلب.. وسيذكرك كل ذي قلب حي مر بأثرك ذاك فهتز قلبه..

    Liked by 2 people

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑