إلى قرية البري عرجت اليوم ملبية نداء بطن جائع وتعب ثقيل احتلني بعد يوم عمل عاصف.. قرية البري ذلك المكان الحميم الذي شهد ميلاد “سجال” وبواكير لقاءاتنا الخجولة يوم كان كتاب كافيه لا يزال يتلألأ وسط كل تلك المحلات الزاخرة بما تلذ لرؤياه العين والمعدة والهوى..
اوقفت سيارتي البيضاء المعفرة بالتراب المزركشة ببقع ما جف من مياه الأمطار – أمام باب القرية.. وكدت أغوص خجلا بين أعطاف ثيابي حين رأيت بريق السيارة التي كانت تقف أمامي وأختها التي مررت بجنبها.. عجبا كيف تستمر هذه السيارات الفارهة السوداء الطويلة المقوسة في خداع الطقس والضحك في وجه ما يثيرة من غبار وما يبشر به من مطر.. يالصمودها..
وبينما كنت مددت يدي مسرعة إلى حقيبتي – الدافئة اللون العتيقة طويلة الحزام – أوقضها من سباتها ..مقتحمة سكون الأشياء في مخابئها .. باحثة عن المفتاح ..إذ برجل فارع القامة أمرد باسم ، يعتمر قبعة برتقالية وقميص أبيض قابض على جذعه بلطف وبنطال واسع بلون القهوة .. يرتكز عند باب السيارة.. تارة ينظر نحوي وتارة يطلق نظره إلى كل الأشياء هناك.. زملائه في المهنة.. الشارع .. بوابة القرية.. الناس المنتظرين وصول سياراتهم..
ترجلت من سيارتي .. بادلت الرجل الباسم ابتسامة.. سألته عن يومه.. فردت علي ابتسامته المعرضة واهتزازات رأسه ، فأدركت حينها بأن الانجليزية ليست من محصول لغاته .. ليت الأوردية المتعثرة على طرف لساني كانت ضمن محصول لغاتي.. مد يده إلي ببطاقة الموقف .. شكرته بعرض ابتسامته ومضيت أرقى السلالم ..
ما إن شرعت ضفتي الباب الكهربائي حتى تفتح في قلبي حنين.. توقفت برهة .. فرأيتنا مصطفات جنبا إلى جنب نثرثر في حبور وعلى عجالة تدفع الأحاديث سيلا عرم تتداخل الكلمات فيه إلى حد التلاطم ثم تتناثر في موجة ضحك.. تفلتت من حيث لم أدري تنهيدة ..طأطأت رأسي ثم اتممت المضي إلى حيث كنا نغبط أنفسنا على وجود بقعة سكون كهذه لنا..
هرعت إلى الطابق العلوي مباشرة .. شيء ما في داخلي يجر قدماي بعيدا عن هناك.. وهنا استقبلتني باقة من بائعي العطور يتوشحون بالسواد رجالا كانو و نساء.. كم يليق هذا اللون الملكي بتلك الأجساد الهيفاء باسمة الثغر مصففة الشعر مشذبة اللحى جمة الأدب.. وبأدب جم رددت كل تلك الأيادي الممتدة وقاومت كل ذلك العبق الزكي ملوحة بيدي يمنة ويسرى ومضيت يقودوني في مضيي زقزقة العصافير في معدتي التي لم تعد عصافيرها تزقزق الآن .. أكاد اسمع شيء من عواء يخالط تلك الزقزقة..
رأيت أمامي مطعم متلألأ ذوجدران سوداء اصقيلة يعاند سوادها خطوط نيون بنفسجية ومرايا تستند ظهورها الطويلة إلى الأعمدة حارسة المداخل، وعلى أول طاولة خالية تهاويت وعلي تهافتت النادلة وعلى قائمة الطعام الإلكترونية المغروسة في لوح خشبي بلون التوفي تهافتت يداي وكاد أن يفعل ذلك لعابي..
رفعت بصري عن قائمة الطعام قليلا أفكر.. نظرت يمينا ..رباه.. هنا أيضا على تلك الطاولة الطويلة المطلية بلون البندق ، المتكئة الكتف على جدار قد انحسرت لبناته عن واجهة جانبية ذات أرفف متفرقة مرصعة بقناني عطور مختلف ألوانها – كان لنا لقاء يتيم على وقع جوقة الطباق والشوك والسكاكين والملاعق والأكواب والكؤوس .. أتعلمون أن لبعض الكتب طعم – مذكى بالمناقشة – لا يكاد تبارح ذاكرتنا لذته.. آه ياهذا المكان فيما اثارتك لكل هذا الآن..؟؟
بينما كنت انتظر مثول الطاعم أمامي ، أخرجت من حقيبتي خير جليس في الزمان كما يصفونه ، ولعمري هو كذلك ، وطفقت الوك الكلمات وأقلب الصفحات حتى توافدت الاطباق المتضوعة بالرائحة العتيقة.. بالطعم الأصيل .. طفولتنا .. بيت جدتي الكبير .. وتلك الأجساد المتحلقة حول الصينية الكبيرة المستديرة وغوغاء الأيادي المعفرة بالطعام.
.. وطفقت آكل ، وتلك الصور العتيقة ترفرف أمامي وحولي.. فأبتسم تارة .. وتفلت تارة ضحكة لست اعلمها .. فرحة هي أم حنين ..
دفعت حسابي ، لملمت اشيائي وهرعت إلى هناك.. كتاب كفيه.. يهبط بي السلم الكهربائي ببطئ تمنيته ولكن سرعان ما وصلت إلى الطابق السفلي .. مشيت إلى الوسط حيث تلك المساحة المستديرة التي تتفرع منها أزقة طويلة يربط على ضفتيها متاجر تراثية الطراز حديثة المحتوى.. لوهلة لم أدرك إلى أين اتجه والناس يقبلون ويدبرون من حولي ، وأنا أتلفت وأدور حول نفسي.. اغمضت عيني برهة ثم اطلقت لقدمي العنان تأخذانني إلى حيث لا أريد أن أذهب..
على الرغم من إدراكي بأن المكان لم يعد هناك.. إلا أن غبطة ما بدأت تتقافز في داخلي .. و جعلت التفت الى المتاجر .. أو هذا لا يزال هنا.. وهذا جديد لم اره منذ كنا هنا آخر مرة .. وتوقفت فجأة وكدت أبكي..
لقد كان هنا بامتداد كل تلك الواجهات الزجاجية الأنيقة المطعمة الآن بالمانيكانات.. كان هنا.. كنا هنا.. كانت بواكيرنا هنا.. حيث لا أحد سونا يحتل ذاك الركن المحاذي للشباك الخفيض المطلي بلون الشكولا والمطل على جدول الماء ،حيث المقاعد الوثيرة المختلفة الألوان والتصاميم والطاولات الصغيرة البيضاء المستتديرة التي نقربها من بعضها وننثر عليها كتبنا وأوراقنا واشياء أخر..
– كنا فقط خمس قرنفلات كما يحلو لإحد السجاليات أن تسمينا – يتبادلن الحديث حول الكتب والكتاب بينما رجل في مقتبل العمربثوبه الناصع البياض وشعره الفاحم الذي تكدس على قمة رأسه حتى انحنت بضع خصلات منهعلى ناصيته ، بينما حصر البعض منها بين اخاديد تقطيبة حاجبيه الكثين الراقصين -يغني بالانجليزية وهو ينقر بحماس مفاتيح البيانو ..
لم يكن المكان يخلو أيضا من بضع قراء وطلاب علم وطالبي سكون بصحبة كوب من القهوة وبعض الحلوى..
آه خطفوا مني ذكرياتي ..

في ذاك المكان وصلت إلى نفسي وجدت نفسي لم أخف من أن أتعرف عليها .. الغريب في الأمر انني لم اكن الوحيدة نعم انا لست الوحيدة التي كانت تبحث عن ضالتها.. من يعرفني في تلك السنين يعرف تماما كيف كنت.. في سجال انا وُلدت.. في سجال أنا أزهرت في سجال أصبحت أتحدث بلا تردد .. لا أخفيكم انني كنت أشعر بالرهبة عند دخولي لكتاب كافيه او مجلس.. ولكن الآن اشعر انني سجال و فخورة لأنني بنت سجال.. سجال شكرا من القلب شكرا لوجودك بحياتي و شكرا لأنك سجال.. أنتم من روحي الكثير
إعجابLiked by 1 person
تحار حروفي.. فلا أدري ماذا انظم من كلمات تليق بجمالك..
لله درك.. والحمدلله.. وسجال أنت.. فشكرا على كونك سجاليه..
إعجابLiked by 1 person
تلك الأيام حين كنت شعلة من النشاط و الحماس
مازلت أراني هناك جالسة في اول لقاء يضمنا نحن الخمسة….مازلت أراني و أنا أجهش بالبكاء حزنا على مشاري بطل رواية خرائط التيه…..مازلت أراني و أنا اتبادل الهدايا في أول احتفال بإنجازنا الجميل….مازلت أراني بين أروقة الممر المؤدي الى تلك البقعة المميزة، خلف الحواجز الشفافة و الجلسات الأنيقة…..
نعم كما وصفت ، مازالت تلك البقعة مميزة ، وقد الهبتي مشاعر الحنين إليها…..لا أدري هل ستعود أم لا….من يرانا الآن لا يصدق بدأنا بفكرة و تحولت إلى واقع جميل فاق كل التوقعات…..رغم الصعوبات و ظروف البعض الا أن سجال مستمر في العطاء بكل أحواله…..
شكرا لمن ساهم في جعلنا أجمل ….شكرا لكن أخواتي و صديقاتي السجاليات …..أحبكن
إعجابLiked by 1 person