من رأى رأى..
وأنا حين بدأت قراءة كتابك لم أكن أرى الثوب الجديد لقلمك في هذه الرواية المعنونة بأنفس.. بل كنت أرى عبده خال.. ساحر الكلمات الذي ينتقي من الواقع أكثر ما نجتهد كمجتمعات في السكوت عنه .. في توريته .. في الهروب منه .. في دفنه في طمسه تحت أردية شتى الدين أكثرها إيلاما ثم العادات والتقاليد و قس على ذلك ما شئت.. ثم نتظاهر بأنا مجتمع ملائكي .. يسيرا كله دون استثناء على الصراط المستقيم.. وننفر وتنتفخ أوداجنا غضبا إذا ما جاء ساحر كلمات مثلك يا عبده فأماطا كل ذلك التخفي والسكوت بنصوص صريحة مهذبة لتسطع الحقيقة مرة لاذعة باهره.. فيتسارع بعض القراء بطمسها تحت ركام جديد يطلقون عليه زخات من الصفات.. سافر .. فاضح .. مكذوب.. مبالغ .. صادم.. ثرثرة.. وسيلة.. إلخ.. وما كان هو سوى نفخ في الرماد المطمور وفض لتلك الستار الغلاظ..
وعلى الرغم من أني انهيت قراءة الرواية في عشرة إيام – كنت قادرة على اختصارها في خمسة أو سبعة .. وما منعني من ذلك إلا ما ذكرته آنفا – إلا أني جعلت أشيع وسط قراء “سجال” سخطي واستيائي من ما بدى لي من فوضى ران على فؤادي غوغائها فاعمته وطفق لساني يمجد ذاك العمى ويزكيه صادحا به.. وكأني كنت انتقم مني بي.. وكأني كنت أحمي نفسي من خيبة أملي.. وأرضي غرور قارئ.. تبا للغرور اينما حل…
ثم جاءت الحلقة الأولى من النجدة على لسان السجالية خولة الجسمي حين سألتني عن الرواية وهي لم تقرأها بعد.. فانطلق من علياء غروره لساني يتشدق بالخيبة والضجر.. فتركتني بحكمة ثم عادت إلي بعد ردح ليس طويل من الزمن بسؤال.. لماذا لم تحبي الرواية.. ثم تدارسناها .. فجعل الران يتساقط كسفا من على قلبي على كبرايائي حتى دكه.. بينما دفعاها استيائي ألى البدء في القراءة بحماس قدحه فضول.. وجعلت أتساءل فيما استيائي من رواية لعبده خال وأنا من مريديه -إذا جاز التعبير- لم يخذلني قلمه يوما فهل سيخذلني الآن.. فعزمت على إعادة قراءة الرواية وكأنني لم اقرأها قط.
وفي يوم لقائنا الشهري المعتاد في سجال.. وحين اجتمعت بكل تلك القلوب التي قرأت الرواية لنتدارسها.. كشفت روايتك عن أسرارها ..يالجمال بل يالسحر الذي بدأ يتدفق . بل إن هذا السحر امتد إلى ما بعد اللقاء ذاك.. فمن حبستها الظروف عن الانضمام إلينا في ذاك اللقاء من السجاليات لم تفلت من بين يديها فرصة لتناقشني فيها إلا واهتبلتها.. وطفقنا في شهرنا هذا نتادرس ومع كل نقاش تتكشف لنا أسرارا جديدة ونقرأ اسقاطات ساحرة مختلفه تزيدني أنا فرحا وندما..
فهذه الرواية التي ضننا في “سجالنا” -نظرا لصغر حجمها- أنا سننهيها في بضع أيام ولم نتوقف عن سبر أغوارها حتى يومنا هذا – جاءت مختلفة .. فلقد بدأ بظهور جسد بمقاييس أنثى فائقة الجمال عار يحمل مولودا بيد ويده الأخرى مبتورة .. ويهيم على وجهه مستقطبا ردح من الذكور ميتي النخوة.. واكتشفنا أنها أصل الحكاية والحياة معا..
ثم مضيا بولادة وحي..د مسبوقة بنبوة سيادة تليت بمضغة رفضت الحياة في رحم أنثى ثم رفضت الموت خارجه وهي متشبثة بالطين .. ثم استمرت في عناد الموت متشبثة بتلابيب الحياة بين أعطاف قطن هيئته جدة تحلم بحفيد فاستمرت بري حلمها بماء زمزم حتى غدت رضيعا شب مدججا بالكرامات مطارد ..
وقدار الخالد الفاني الغامض الظاهر الجاهل العالم الصادق الكاذب الذي اختصرت الدنيا على لسانه يوم قال وكرر (من رأى رأى) وما برحت هذه العبارة تتردد على لساننا في لقائنا ذاك وفي ما جاء بعد ذلك اللقاء من أيام.. ويعلم الله إلى متى..
وثنوى الأخرى التي ولدت باعجوبة فاضت قدرة خارقة على شفاء كل الناس إلا أبيها … ثنوى.. الانوثة التي هي مكمن الحياة ومنبعها.. وشماعة الحياة ولعنتها.. المبغوضة المعشوقة.. الحلم والحرام..
وبيئة جسدت في قرية رأينا في ثناياها دولة وساسة وأنظمة قيادية معفرة بالجهل ونسخة مشوهة من الدين مطعمة بالخزعبلات .. وأنماط اجتماعية عتيقة لحد عطانة أقوى من أن يقاومها فرد ناهيك عن مجتمع..
وشخوص أخر مختلف ألوانها يخيل إلى من يغلب غرورة سعة بصيرته أن لا منطق يحتويها ولا واقعية تعينه على كشف سبر جمالها ..
جاءت الرواية مزيجا من خلود.. وأرواح.. وشخوص خفية غامضة متدثرة بالسواد..و ومعجزات اقرب للأساطير.. وواقعية كامنة بذكاء بين السطور وعليها وبعدها.. واقعية تراقب عين القارء ضاحكة متربصة ..
وختاما .. وعذر على الختابم الآن ..
.. تحضرني الآن ذكرى تيهي في كل ذلك وقراءتي الرواية وكأن كل حرف من كلماتها مكتوب بعصير ليمون و إثل..

أضف تعليق