ولنا في اللوفر حكايات..

تتدافع الكلمات في دواخلنا تدافعا يدغدغ الذاكرة ويطلق في ارجائنا مزيدا من ذلك الشعور الذي ولدته زيارتنا لمتحف اللوفر أبوظبي .. لا تزال نهكة ذلك الجمال عالقة في أرواحنا، فالمتعة التي جنيناها من زيارة ذلك اليوم لم تكن في الحسبان مطلقا..

نعم..  الحادية عشرة صباحا كان موعد تجمعنا.. وتقاطرنا إلى البوابة الرئيسية للمتحف ..يدفعنا حماسة خجول وترقب ويدفئنا أمل في الاستمتعاع بنكهة سجالية جديدة.. ومنا من لم يمهله الحماس فسبقنا وجعل يترقب حضورنا ويتساءل عن وصولنا.. ومنا من لم تمنعها بعد المسافة فقطعت الطريق من الإمارة الباسمة إلى اللوفر مباشرة .. ومنا من وصل على الموعد وجلس يهدهد الحماس الذي بين جنبية وينتظر اكتمال الحضور..

في ردهة اللوفر جلسنا..  لوحة كانت في استقبالنا .. تقابلنا .. وتحتل وحدها ذاك الجدار العاجي العريض .. لوحة وحيدة تنضح بالشموخ و الهيبة ومعانٍ غزيرة لا كلمة تعبر عن عظمها إلا كونها رمزا للإنسانية في أرقى حالاتها .. كانت اللوحة صورة لزايد بن سلطان .. غمرتنا صورته بالحنين.. فهتزت الذكريات فينا وربت وأينعت أحاديث خضبت كلماتها بحب لا ينبع من القلب .. بل من بقعة أعمق من أن يحتملها قلب.. أو تكتنفها روح..

زايد.. مَن – مِن كل من يدب على دار زايد – لم يتنعم بخير إنسانية زايد..

إكتمل عدنا وانطلقنا ..كان منا من لم يزر المتحف من قبل.. ومنا من كانت هذه زيارة الأولى .. ومنا من زار اللوفر لأكثر من ثلاث مرات قبل هذه ولكن ..

حين تزور المتحف وحدك ..  وترى بأم عينيك مجسدات تختزل حقبا متنوعة من تاريخ للإنسانية يتقارب في قواعده الفكرية ..في دلائل وجوده وآثار حضاراته مع اختلافات تفرضها ظروف معيشته أو حقبته الزمنية .. وتقف بشموخ شاهدة عليه.. وتقرأ تلك المعلومات البسيطة عن موطنها والحقبة الزمني التي تمثلها ..واسمها أو اسم بانيها أو صانعها.. وتتأمل تفاصيل صنعها الدقيقة المتقنة إلى حد الإبهار .. وتدرك أن أنامل الإنسان القديم صنعتها.. ذلك الإنسان الذي لم يملك دقة الليزر في صنع الأشياء .. ولا الطابعات ثلاثية الأبعاد .. ولا الرافعات الآلية الحديدية الضخمة.. ولا حاسوب يقيس ويحسب.. حينها تتقافز إلى ذهنك العشرات من الأسئلة والتساؤلات.. ويحيك عقلك بسببها العشرات من الحكايات.. ويمتلئ جوفك بالكلمات .. وحدك.. !!

أو إن زرت المتحف برفقة صديق أو قريب.. يشعرك طوال الوقت بأنه لم يأتي معك إلا ليرافقك.. أو لأن يشبع فضوله ..فيعرف ماذا يحوي هذا اللوفر بين جنبيه.. أو ليستكشف مكانا جديدا لم تطأه قدمه من قبل ويلتقط صورا يغذي بها حساباته في مواقع التواصل الاجتماعية.. فيتبع خطاك أينما ذهبت في المتحف.. وينظر مكتوف اليدين إلى ما تنظر إليه بصمت لا يكسره سوى حديثك المعفر بالكثير من التساؤلات والاستنتاجات واندهاش تبرق له عينيك وتستغربه عينه.. فأي متعة تلك..!

أما حين تذهب إلى اللوفر.. وتتأمل ما طعم به من كنوز فتستشعر وجود حكايات مختبئة في أعطاف التحف وبين طياتها وخلف صمتها المطبق وفي ضلالها الخفية وبين الانحناءات الضئيلة للأنسجة وقصص… وبصحبة كوكبة من العقول التي تسامت على التفكير حتى اعتنقت تفكراً نضح من كلماتها فأغرى كل تلك الحكيات فاطلت برأسها.. ثم استلقت بين أيديها وتفتحت في حضرتها حكاية حكاية.. فلعمري ذاك هو  منتهى المتعة.. وتلك هي التعة التي جنيناها.. و لا نزال نستشعر لذتها نحن السجاليات منذ زيارتنا للوفر أبوظبي إلى أن يشاء الله.

 

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑