
لأم النذور وقع، هوى لجماله فؤادي، ذلك أنها في سردها نقلت إلينا مشاهد من حياة طفل كانت أرجلنا في حذائه منذ زمن عتيق.. كنا مثله تماما .. نجيء إلى الحياة فتحاصرنا بقوالب جاهزة متينة الأركان لا نملك أمامها سوى الصمت والألم.. وكذلك كان سامح بطل الرواية طفل يحمل في جعبته أكداس من تسائلات .. تسائلات لا يأمن أبدا القائها على مسامع من هم أمانه الأول في هذا العالم (أمه وأبيه) كما لم نكن نأمن نحن.
وإن توسم سامح في أمه بعض الأمان، فألقى شيئ من تسائلاته وخوفه على مسمعها.. فإنه لم يجد منها سوى دفق من جمل لا تغني فضوله ولا تقتلع خوفه.. فأنى لأم خاضعة مستسلمة .. معطلة الفكر مسكونة بالجهل ترتع الخزعبلات في نفسها وتمرح- أن تجيب على طفل تهدد تسائلاته سلامة جذور إيمانها وأمانها..؟؟ أنا لها أن تطمئنه..
وأما أبوه، ذو الأبوة المعسكَرة ،الملطخة بالهيبة الكحولية التي تخيم على كل ركن من أركان البيت ما إن يلج إليه، ثم تتلاشى خلفه حين يخرج في الصباح الباكر إلى دكانه.. أبوه الذي تتلاشى الأصوات في حضرته، فلا صوت في البيت سوى للصمت وصدى أحاديثه المنبعث من حنجرة الأم.. فبأي صوت سيتحدث إليه سامح.. وذاك الرعب الذي يعتلج في صدره قد بدأ به أبوه ( لك اللحم ولنا العظم ) ثم تولى انباته جاهل جلف فض يحتمي بأسمال العلم بالدين، ويلوذ بالشتم والعصى، مواريا بهما قلة فهمه وبؤس ما يجوس في نفسه من أسقام زكاها جهل الناس، فخرج سعارها ليلهب قلوب الأطفال وأبدانهم، باسم العلم والمصلحة..؟؟
بمن يلوذ هذا الطفل عزيز النفس الأبي، وهؤلاء هم محيطة .. هذان عمودا بيته وذاك شعاع معرفته بالدين والحياة..؟؟ أين ستنموا عزة النفس تلك.. أين سيحلق ذاك الإباء والعالم من حوله يدفعه بشراسة نحو ليحشر في القالب الذي حشر فيه أقرانه من قبله.. اولئك التلاميذ الذين لا كرامة لهم ولا عزة نفس.. بل لهم، وبال الخضوع .. ووباء الطاعة العمياء… ومتى سيدرك العالم أن لا ازدهار.. لا مستقبل إلا.. بجيل قوي البنيان .. بنيان النفس فالعقل والبدن.؟؟ متى؟؟
فلنعد إلى بطل روايتنا سامح ..لماذا كان في مأزق؟؟
كان مأزق ذلك الطفل (سامح) في أنه يحمل عقلا متيقضا مفكر.. لم يخضع للأعراف المتسيدة للناس- في ذاك الزمان الذي لا يزال يشبه هذا الزمان- ولا لمعتقداتهم، كخضوع عقل أمه وعقل أبيه وعقل الأولاد في الكتاب وعقل الناس المستغيثين بالشيخ مجيب، بسح الدموع وعقد الخرق -المخضبة بالرجاء والآمال- على أغصان (العروس الغجرية) أم النذور و جذعها (اللزج القصير) وبدفع المال ..وبشفاعة الحاج درويش وحالات الصرع والنشيج التي تعتريه حين يتصل باسياده !! ناهيك عن أن مالا يجد الحاج مجيب إليه سبيلا تتولى أمره الحاجة نعيمة ببخورها وسوائلها وأحجبتها !! ترى من أين جاء لهؤلاء الناس هذا اليقين بهؤلاء الناس.. ؟؟
لماذ يشبهنا سامح.. أو يشبه شيء من ماضينا.. او يشبه البعض منا..؟
هرب هذا الطفل إلى الشارع، فالبيت ليس آمنا.. ونحن وآخرون يشبهوننا.. يوم كنا أطفالا هربنا إلى الصمت إلى الانطواء.. إلى الطعام.. إلى التنمر.. إلى التدخين.. وإلى ما الله به عليم يوم كنا أطفالا.. فالحديث ليس فعل آمن.. والتفكير ليس فعلا آمن.. والرفض ليس فعل آمن.. والتصرف بأي حجم من أحجام الحرية ليس فعل آمن.. ويعلم الله إلى ما يهرب الأطفال هذا الزمان حين لا يكون البيت آمن؟؟
وآخر البوح..
وبعد الخوض مع سامح في مغامرته، جاءت النهاية التي بدت سعيدة ..فسامح.. الطفل الأبي خاض معارك أكبر من أن يحتملها قلب طفل فانهار معلولا محموما هاذيا.. ولا عتب على الهاذي وإن شتم واحتج واعترض وهدد.. وكم كان ذلك التنفيس عن الغصب بالهذيان رائعا.. ثم عقب كل تلك المعارك انتصر.. فك أسره من الكتاب وذهب بشفاعة خاله مع ابنائه إلى المدرسة.. حيث لا يعطي الآباء للمدرسة لحوم أطفالها ثم يأخذون العظام.. هذا والله اعلم.

الرواية تشبه النهر تاخذنا من منبع الجهل الى بحر الحرية ، لا يعني انك اكبر سناً او اقوى او اكثر سطوة انك على حق قد يكون ذلك الصغير القابع في زاوية من قلبك اقوى منهم جميعاً اذا فكرت وتدبرت وعلمت ما لم يعلمون وقررت ان تأخذ زمام حياتك بيدك ، تكلم وعبر خاطبهم وقاوم استعين بمن يفهمك وعش حيث من يكون معك على نفس التفكير .
قد يكون الرابط الاهم بينك وبين الاخرين ليس رابط الدم وانما رابط الفكر.
إعجابLiked by 1 person
أجل رواية سلسة.. عظيمة الأثر في نفسي.. كنت طوال الرواية احلق حول سامح.. اردت حمايته من عصى المطوع.. أرت أن اضمه وهو يرتجف خوفا.. أردت أن اشاركه الدفاع عن نفسه أمام المطوع.. بل أردت ضرب ذلك المعلم بخيزرانته.. واردت الأخذ بيده في هروبه.. وأن أراقبه وهو يسبح في النهر حرصا على سلامته.. وأن أجالس أمه واحاورها.. وأن اقف في وجه ابيه واجبره على أن يلحق سامح بالمدرسة..
وأن احرق ام النوذور والضريح بكل ما فيه..
إعجابLiked by 1 person