أمضينا يناير الماضي بصحبة الجزء الأول من ذكريات د.فوزيه الدريع التي وضعتها في كتاب اسمته مذكرات الغضب.. غضب..؟ فوزية الدريع.. ذلك الوجه الودود الذي كم تعلقت قلوبنا برؤيته على الشاشة وكم انسطنا إلى حديثه الذي لم يسبق له على مسامعنا مثيل تغضب؟؟ كيف ؟؟ ولماذا؟؟ .. أجل إنها تغضب؟؟ اليست بشرا.. نعم.. حسنا.. فلنستمع إلى قصة غضبها.. نعم نستمع..
إنك حين تقرأ تلك المذكرات المكتبوبة تجد نفسك جالس في إحدى مقاهي لندن.. البخار المتصاعد من قهوتك يضاحك قطرات المطر الباردة المنزلقة على واجهة المقهى الزجاجية.. والناس المهرولون في الخارج ..المثقلون بالمطر يرمون إليك نظرات غبطة ويمضون.. نعم يغبطونك.. فهاهي ذي د.فوز تجلس أمامك وتطلب قهوتها المطهمة بالقرفة وتفتح لك قلبها .. تبوح لك بذكرياتها فتندهش حتى يكاد حاجبيك يلامسان منبت شعرك.. وتضحك حتى تتراقص الدمعة في عينيك.. ويملأئك الفخر حين تكشف لك انسانة كفوزية الدريع أنها انسانة لم يعصمها علمها من اقتراف الخطأ إثر الخطأ.. نعم إنها أنسان مثلها مثلنا تخطئ.. لكنها أكثر منا شجاعة.. فها هي ذي رغم كل انجازاتها تعترف بسلام بأن لديها مشكلة.. عيب ..وأخطاء.. وها هي ذي تسعى لعلاج ذلك العيب بدلا من مداراته.. فمداراة العيوب فن عتيق نعتنقه ونتشبث به على الرغم من أنه يقتات علينا.. !!
وتعاود القراءة .. فتجد أنك تجلس في ذلك المقهى اللندني تنصت .. تستمتع.. تتعلم.. وترجوا أن لا تبرد قهوتك.. وأن لا يغلق المقهى أبوابه.. وأن لا يتوقف انزلاق المطر وضحكه..
تأخذك فوزية الدريع في كتابها هذا إلى زمن القهر الذي يعيب على الفتاة كل شيء.. وزمن الميني جب.. والمعركة الحتمية التي تخوضها البنات ليتعلمن أو ليكملن التعليم.. فتنصت إليها مترقبا وهي تحدثك عن جمال أمها رغم ضعفها.. وأبوة ابيها رغم محاربة أخيها وجدها.. وفخره بها… وتضحياته.. وتحدثك أيضا عن تفاخرها بمهارات القراءة أمام قريناتها..وتبتهج حين تعلم أنها مثلك تقرأ بنهم.. وعن الخيبات التي توالت على قلبها منذ قررت أن تكون هي هي.. منذ رفضت أن تحد أحلامها بتلك القوالب الاجتماعية الظالمة.. منذ أصبحت ملاذ للصديقات المستغيثات وقعرا لخياناتهن أيضا.. ومنذ أنهى غضبها علاقتها بصديقتها الأثيرة .. منذ بدأت تحارب العالم لتدرس علم الجنس .. منذ تزوجت قرة عينها فرج العراقي الذي لم يسلم هو ولا أولادة من وصمة أنه عراقي رغم كل الجمال الذي أحاط به قرة عينه فوزية الدريع ولا يزال.. ومنذ شدت رحالها مرغمة عن وطنها إلى لندن.. حيث نجلس الآن معها نحتسي القهوة على وقع نقرات المطر وانزلاق حبيباته.. ورائحة القهوة والقرفة.. ودبيب الأحذية..
حدثتني عن اللحظة التي تساقطت فيها كل جدران فوزية الدريع الغاضبة المتينة..دكتها كلمة قالها رجل شرطة لندني في مركز لها.. غضبها أوصلها هذه المرة الى مركز للشرطة..!! انه الغضب.. حين أدركت وجوده أوقفت وبشجاعة كل شيء.. وأصبحت هي الشيء كله.. ثم طفقت طارقة على مضض أبواب ثلاث معالجين نفسانيين.. لم يسعفوها وهي التي تعلوهم مقاما في هذا العلم.. فلاذت بالقراءة..
وصلها في يوم بريد الكتروني.. سيقام معرض للكتب المستعملة في منطقة بعيدة .. بعيدة ..؟ ..تتلاشى المسافات في سبيل الحصول على جواب.. جرت حقيبتها الصغيرة.. حقيبة الكتب .. لتملأها بما استطاعت من كتب قد تحمل بين طياتها جوابا .. أو علاجا لهذا الغضب.. لله در الكتب ما أروعها وما أغلاها…
في طريقها إلى الخروج من المعرض وقعت عينهيا على وريقات مدبسة مرمية فوق كومة من الكتب المستعملة.. وريقات سطرت فيها حكم مأخوذة من زاهد هندي حكيم لم تعرفه قبل.. ولم تقرأ عنه .. لكنها اكتشفت بين طيات كلماته حل للغضب..هناك أمل.. هناك حل.. فاشترتها بثمن بخس
.. بين طيات هذه الأورق كمن السبيل إلى إنقاذ نفسها من مهالك الغضب.. فشد رحالها إلى الهند.. فابتدت تفوح من أطراف الحديث الآن روائح التوابل والبخور والبقر والدخان حتى تزكم أنفك.. ويتسلل طنين خافت لأجنحة البعوض .. وقرع الطبول .. وصدى أهازيج وتراتيل.. وحكم وأخبار وأسرار إلى أذنيك.. وتستشعر لزوجة طين تتراكم على حذائك.. فترشف شيئا من قهوتك لعل طعمها يبعد كل تلك النكهات المتزاحمة.. وتنهض إلى باب المقهى وضحكات فوزية الدريع تزفك إليه.. وتملأ صدرك ما استطعت بالهواء المعطر بالمطر.. ثم تعود ضاحكا وتجلس إليها وتحتسي المزيد من القهوة.. وتنسط..
وبلا شعور تنزل ساقك من على ساقك.. وتسوي هندامك.. وتصلب عامودك الفقري.. وتحتسي آخر قطرة من قهوتك.. وتشبك يديك.. وأنت ترى قطرات المطر تترقرق في عيني فوزية الدريع وهي تحدثك عن اعتذارها لكل من أساء غضبها منه إليه ..فيقبل من يقبل.. ويستنكر من يستنكر.. ويتهكم من تهكم.. ويخفق قلبك بقوة كقلبها حين تجنح بالحديث إلى صديقتها التي يتضوع الحب من كل أحاديثها عنها رغم الشقاق.. وأن الخلاف الذي بينهما لم يستوجب هذا الشقاق الذي حطم العلاقة بينهما إلى الأبد.. وترى بسطوع ملامح الندم بين كلماتها.. وتدرك فجأة أن قطيرات المطر التي رأيتها في عيني فوزية الدريع تتراقص في محجريك أنت.. ألا لعنة الله على الغضب..
ومع آخر سطر تقرأه من ” مذكرات الغضب “ تجف القهوة في قاع كوبك.. وينضب دبيب الاقدام خارج واجهة المقهى.. وتغفو قطرات المطر على الزجاج حد التلاشي.. ويخلو المكان إلا منك وفوزية ونادل يعيد ترتيب الادوات.. تنهض فوزية الدريع.. فتنهض مادا يديك مودعا شاكرا لها كل هذا الوقت الذي قدمته إليك لتعلمك..
علمتني أنه لا عيب في أن يكون فيك عيب واثنان وثلاثة فنحن مهما كنا بشر.. العيب في أن أعرف ذلك من نفسي وأكابر.. علمتني أن الحياة أوسع من غرفتي ووطني وكل الكرة الأرضية.. علمتني أن احترم ثقافة الغير مهما كانت غرابتها بالنسبة لي.. وأن الاحترام ذاك لا يعني بالضرورة قبول كل شيء فيها.. علمتني أن لا اخشى عل إيماني بل اختبره.. علمتني أن لا وحدة قد تنقذ حياتك الى الابد.. وأن الشجاعة اعظم من استخدام الأيادي والارجل والحناجر..
لامس هذا لاكتاب البسيط الصريح العميق شغاف فؤادي.. شكرا د.فوز على كل هذا الجمال..
لمعرفة لمزيد عن ملتقط الصور هذا حسابها الانستغرامي sahoomi





أضف تعليق