تخيل .. أن تستيقض يوما.. فتجد نفسك واقفا في مكان تجهله.. أجل واقفا.. وفي مكان تجهله .. في شبه ظلمة محاطا بالواقفين المغمضي العينين كما كنت. ولكن، لا شيء غير الوقوف وإغماض العينين يجمعك بهم.. جميعا.. أناس مختلفين في كل شيء متنوعين في كل شيء..
تخيل.. حدوث كل ذلك وأنت لا تعي كيف إلى هذه الشبه ظلمة أتيت .. وإلى أين ستذهب وماذا يريدون منك… وما الذي عليك الآن فعله..
وتخيل أنك من هول الفزع تخطو خطوة خارجة البقعة المحددة لوقوفك فتنطلق صافرة مرعبة تهيل على خوفك المزيد من الخوف.. تم يصحو أحد ما حولك فيخطو خارجا من البقعة التي يقف فيها حائرا فزعا فيصعق حتى الموت.. ثم يسحب إلى حيث لا شيء سوى ظلمة تلف المكان.. ولا أنت رأيت من سحبة ولا أنت عرفت إلى أين سُحِب.
ثم يستيقض كل من حولك.. وتتصاعد الأصوات ويكثر اللغط والكلام .. واتفاقات واعتراضات و ويتساقط الناس من حولك بالصعق.. تارة خطأ وتارة فجأة وتارة لسخط باقي الواقفين عليهم.. لا لشيء إلا لأنهم مختلفون عن من اتفقوا.. مختلف فكرهم.. أو لونهم.. أو عمرهم .. أو مهنتهم.. أو ميولهم.. أو أنهم بكل بساطة يجهلون ما يجري..
هكذا بدأت احداث فليم رشفة منتصف مارس وهكذا دارت بين ممثليه.. وهكذا صرنا – نحن المشاهدون – نقف مع الواقفين ننصت للأحاديث الدائرة .. نتفاجأ لسقوط هذا ووقوف ذاك.. نستنكر بشاعة قلب هذا .. وبشاعة فكر ذاك.. وندهش لانصياع كل تلك العقول لفكرة ذاك.. ونشعر بالقرف من كل تلك الأنانية اللاذعة التي طغت على عقول الجميع وفاضت من أفواههم.. ونتسائل كيف سينتهي كل هذا.. ومن يدير هذه اللعبة القائمة على قتل الناس بعضها بعضا.. الناس.. تلك المخلوقات التي ميزها الله بالعقل المفكر واللسان المعبر وعمارة هذه الارض.. هاهم في هذه للعبة.. أجل لعبة.. يقتل بعضهم بعضا بلا سبب حقيقي يبيح القتل.. فالامر محظ أنانية.. محظ خوف .. محظ حماقات.. محظ إنسان..
ويالهول ما تعلمنا.. ويالجمال ما شاهدنا..
كان الفلم تجسيدا لمعنى صراع البقاء إلا أن الأدوات هنا تختلف..فلقد تبين لنا أن من نجى في الفلم من غوغاء صراع البقاء في النهاية هنا، كان أشد الواقفين ذكاء.. فصمته في أغلب الوقت كان ذكاء .. ومراقبته لكل كلمة تقال وفعل يقع كان ذكاء.. ونأيه بنفسه طوال سير أحداث الفلم عن كل الصراعات التي دارت ثم انتهت بموت أحدهم.. كانت ذكاء.. ذكاء أنقذ في النهاية حياته.. ومن هلك منهم سريعا كان أما فاقدا لوسائل التواصل أو غاضبا متهورا .. أو فاقدا للأمل.. أو عاشق..
نهاية الفلم حثتنا لنعاود مشاعهدة الفلم وننظر.. كيف نجا هذا الناجي.. وياللجمال.
وأما تلك الصراعات التي اشتعلت منذ الوهلة الأولى للفلم فقد كشفت عن الوجه الدفين البشع الذي يملكه كل انسان منهم.. ومن الممكن منا.. جميعهم باستثناء ثلاثة إلى أربعة أشخاص.. أما السواد الأعظم منهم شمر عن لسانه متشدقا بأهمية استمرار وجوده في الحياة ومعريا في نفس الوقت أي إنسان حوله سيضمن له موته البقاء على قيد الحياة دقائق أطول.. وما تلك إلا دقائق.. فأي تشبث للإنسان هنا بالحياة.. وأي فرق ذلك الذي ستحدثه تلك الدقائق والموت متربص بالجميع لا محالة.. وتساقطط الاقنعة.. فيا ترى ما خطب هؤلاء.. بل ما خطبنا.. بل ما خطب الإنسانية..
و جعلنا بعد الانتهاء من مشاهدة الفلم – مرة واثنتين وثلاث – نتسائل .. هل حقا نعرف من نحن..؟ هل نحن كما نعتقد أننا.. ؟
وآخر البوح..
وقفنا.. وصفقنا للفلم طويلا.. ورفعنا القبعات.. فشكرا لمن فكر.. ومن كتب.. ومن مثل.. ومن صمم.. ومن ساهم ولو بلمسة في إخراج هذا الفلم إلى العالم..
شكرا لأن هذا الفلم كان كالمرآة.. جعلنا نقف أمام أنفسنا.. ونغوص عميقا في عمقنا الإنساني.. ونتازل كثيرا عن التباهي بإنسانيتنا .. ونؤمن بأننا أنسان.. مجرد إنسان.. هباءة في كون فسيح تقطن نقطة في كوكب صغير.. راجية أن نحسن .. لعلها حين تترك الدنيا.. تتركها بسلام وتتركها الدنيا بسلام..


أضف تعليق