أجل أدركنا ذلك .. حين ناقشنا كتاب اختراع العزلة لبول أوستر.. والذي كان كتابين في كتاب، أولهما اختراع العزلة وثانيهما كتاب الذاكرة.. في الكتاب الأول تحدث بول عن سيرته الذاتية .. بل سرد سيرة أبيه الذاتية على لسانه شخصيا وكأنهما سيرة واحدة لشخصين.. ولم يحفزه على ذلك سوى مفارقة أبيه للحياة.. ذلك الأب الحاضر الغائب المتدثر بعدة أنماط من العزلة، أجل.. فالعزلة كما علمنا إياها بول في كتابه هذا كانت أنماطا نخترعها..
فلم تكن العزلة هنا متجسدة في صورة إنسان ينطوي في بقعة ما بعيدا عن الناس .. كجزيرة نائية.. كغرفة يتيمة على سطح بناية ما.. أو في كهف في سفينة.. أو حتى في صمت وسكون يلف بهما نفسه أينما كان وفي كل زمان كعهدنا بها.. ولم تكن العزلة هنا كما قرأنا عنها سابقا في كتاب هارون أخي لعبد اللطيف القرين، ولا التي تحدث عنها سوزان كين أيضا في كتاب الهدوء ..
بل عزلة داخلية، عزلة نفس تعزل نفسها عن نفسها بنفسها.. فسام ولد بول بدأ عزلته في التاسعة من عمره .. فأصبح رجلا مجتهدا في عمله يكدح من مطلع الشمس حتى يكاد الليل ينتصف .. والجهد هذا هكذا..عزلة.. كان يملك من المال الكثير الوفير، لكنه بخيل شحيح .. وجمع المال كان درع الذي يحميه من الناس والبخل درع يحمي المال من النضوب.. وتلك الدروع عزلة.. وكان مقتضب الحديث مراوغه، غامض الملامح جامدها، مقتر في تعبيره عن أي شيء يمسه، وكأن لا علاقة له بكل ما يجري من حوله في حياته (رجل لا يستطيع احتمال الحياة إلا بالبقاء على سطح نفسه..) وتلك عزلة
وكان سام يجيد الكذب، والكذب عزلة.. وكان يهرب من كل شيء، كهروبه من حضور ولادة إبنه .. وتواجده كأب في حياته (لم يكن يراني إلا عبر جدار عزلته الضبابي)، وحتى حفيده لم يكترث لا لولادته ولا لرؤيته ، كان يهرب من أي تفاعل مع عائلته، وحتى حين أراد لعب دور الأب المنقذ مع ابنته التي عجزت عن مواجهة العالم بسبب افراطه كأب في تدليلها، لم تفلح مساعيه إلا في تدمير تلك الأبنة أكثر..
و تسائلنا حينها.. أي حظ هذا الذي حظيت به تلك الابنة ولماذا لم يحظى به بول..؟ فلقد تواجد الأب سام في حياتها، بغض النظر عن طبيعة ذلك التواجد وعواقبه، ومد يد العون لينقذها، بغض النظر أبضا عن طبيعة ذلك الانقاذ التي لم تفلت من براثن العزلة..فلماذا؟
فأدركنا خلال مناقشتنا للكتاب بأن حضور الأب سام ذاك، ويده الممدودة لابنته، والتي منيت بالعواقب الوخيمة، لم تكن سوى نافذة يخرج منها هو صرخته القديمة، ويمد من خلالها يدى العون لذلك الطفل المصدوم الذي لا يزال حيا في تلك الزاوية المعتمة المهيمنة من نفسه، الطفل الذي شاهد بأم عينه أمه تقتل أباه..ولم يتحدث إليه حينها أحد.. ولم ينقذه أحد .. وأدرك مع الزمن أن أمه كذلك لم يتحدث إليها أحد ولم ينقذها أحد فأنقذت نفسها بقتل زوجها .. أبوه.. فاستحالت حياة الإثنين إلى مآس متوالية حبستهما في عزلة هما الوحيدين الذين لم يدركاها..وكل من كان أو اقترب منهما عانا منها..
وأدركنا أن الصدمة لا تقف عند حدود الضحية إن لم تعالج.. بل تدمره وتدمر العالم من حوله.. عالمه هو.. بكل الناس الذين يشكلونه.. وصفقنا لبول استر ورفعنا القبعات.. لجمال ما كتب عن ابيه وسيرته.. وشكرناه على تلك الموسيقى التي كانت تصدح فور قراتنا للكلمات في كتابه.. فهناك في تلك السطور شاعرية.. وفلسفة بسيطة عميقة.. وعبارات مواربة حكيمة، افضت إلى فهم جديد لجزء جديد من الحياة.
وأما عن الكتاب الثاني .. كتاب الذاكرة .. فلقد تهنا بين قصصه وانماطه وتشابه احداث الحياة بين اناس عبروا في نفس المكان باختلاف الزمان.. وتبين من منافشتنا .. أن الحكاية هي نفسها الحكاية.. فحين كان بول صغيرا كان يطلب من ابيه سرد الحكايات له قبل النوم.. وكان سرد الحكايات بالنسبة لأبيه فرصة لعزلة جديدة يعزز بها عزلته الكبرى.. وها هو بول يحذو حذو سام أبيه، فيسرد القصص (نوح والحوت.. بينيكيو.. شهرزاد.. وصبي صغير يدعى دانيال ).. لا ليعزز عزلته بل ليخبرنا عنها.. لينجز شيء ما .. وربما ليتحرر من شيء ما.. (كان ياما كان صبي صغير يدعى دانيال، يقول “أ” لولده دانيال… وعلى النحو ذاته يدرك “أ” وهو جالس في حجرته يكتب كتاب الذاكرة، أنه يتكلم إلى نفسه كشخص آخر، لكي يروي قصته عليه أن يغيب نفسه، لكي يجد نفسه هناك … ) ويا للجمال..
لكن وعلى الرغم من كل هذا الجمال، استعصت قراءة هذا الكتاب على البعض منا، لا لسوء ما جاء في سطوره .. بل لعمقه.. لقوته التي رغما عنا باغتتنا عازمة على نزعنا من عزلتنا .. كاشفة أنفسنا أمام أنفسنا.. وعازمة على أن تعرقل ركضنا العتيق اللا منتهي بعيدا عنا.. كم هو صعب أن يكشف إنسان غيرك عزلتك بغته.. أن يضعك أمامك وأنت الهارب المثابر الذي منذ الازل لم يفلح أحد أو شيء في إخراجك من عزلتك.. هذا إن كان في عالمك من أدرك أصلا أنك في عزلة.. ناهيك عن أنك قبل هذا لم تدرك.. صعب..
وفي نادي الكتاب سجال كل كتاب صعب تتذلل صعابه حين نناقشه، ويغدو سلسا سهل الهضم..فالفهم فالحب وكذلك غدا هذا الكتاب..


أضف تعليق