وجهان من ذهب

في ما مضى من عمر سجال -أطال الله بقاءه – قرأنا من كتب الروايات المترجمة ما استطعنا إلى قراءته سبيلا.. وأحبها منا من أحبها واستاء من استاء.. ولم نكن حينها نملك ذلك الجانب من الوعي الكافي لنتوقف عند كل كتاب مترجم قرأناه ونتسائل لماذا أحببناه.. أو.. مالذي سائنا منه؟ .. محتواه.. أم لغته.. أم مواضيعه .. أم الثقافة التي انحدر منها..؟ كان كل ما يعنينا أن نحصل على نسختنا من الكتاب قبل نهاية الشهر المخصص للقراءة حتى نقرأه فيه.. فبعد ذلك هناك لقاء للمناقشة ينتظرنا.. وبقدر ما كنا نحب القراءة أحببنا لقاءات مناقشت الذي يليها..

ومضينا في ذلك حتى تصدرت رواية ظل الريح لكارلوس زافون نتائج التصويت للقراءة في يونيو الماضي.. وتعرفنا على رحلة ترجمتها.. وجميل أن يكون للمترجم قصة مع ما يترجم من كتب.. رحلة لمسنا في كل جملة قرأناها في الرواية الجهد الذي ترجمت به.. واستمتعنا بروعته.. وهنا أدركنا حقا.. أن الراوي الاجنبي والمترجم له هما وجهان لعملة واحدة.. فإن احسن الراوي.. وأحسن المترجم نقل حسنه إلينا.. ظفرنا نحن معشر القراء بقطعة من ذهب..

فالمترجم الذي لا يكتفي بتطابق الكلمات للكلمات.. وينجح في نقل مشاعر ومقاصد وما بين سطور راو بارع يقف بينك وبين التمتع بروعة قلمه لغة لم تعهدها أنت ولا تعرف اسرار تكوين جملها ونسج سطورها لعمري.. يهديك قطعة من ذهب ترصع بها تاج وعيك وابتهاجك.. والمترجم وحده بوابتك الوحيدة إلى تلك القطعة الذهبية.. والترجمة أمانة ومهارة..

وما أوقد كل هذا هو اختيار إحدى السجاليات لقراءة رائعة اليف شافاك .. قواعد العشق الآربعون.. لتقرأها في شهر القراءة الحرة يونيو الماضي، عقب أن سألتني المشورة فيما تقرأ.. احتارت بين كتابين.. فاسهبت في ذكر مناقب رواية اليف شفاك حتى استقر رأي السجالية عليه فابتهجت أنا.

لكنها عادت واشتكت من شعور ما يعتريها حين تقرأ الرواية فيعجزها عن المضي في قراءتها.. .. وحينها .. حملت نسختي العتيقة .. وجاءت هي بنسختها الجديدة.. لنكتشف كلا منا ماسر اعجابي بالرواية وسر عجزها عن قراءتها.. فأدركنا حينها أن السر في الترجمة.. فكل نسخة من الرواية صدرت عن دار تختلف وعلى يد مترجم مختلف.. فأعرتها كتابي.. وطفقت تقرأ حتى تكاد تنتهي..

ولكن.. ما جرى لي وللسجالية مع الرواية واختلاف الترجمة ليس قاعدة.. فللقراءة ذائقة .. وقد يجد قارئ ما لترجمة الجديدة من رواية أليف شافاك لذة لم نجدها نحن.. وقد لا يستسيغ من النسخة العتيقة سطرا.. وفي كل الأحوال هو على صواب ونحن كذلك..

ويحدث أن نبدأ مرحلة ترشيح كتب القراءة في شهر أغسطس الجاري.. فأجد من بين ما رشح من كتب في حوزتي رواية عتيقة أيضا ترقد مطمئنة على أحد رفوف مكتبتي الحبيبة.. وهي أيضا رواية اجنبة مترجمة.. ولقد دق لقراءتها قلبي.. فطفقت أبحث عنها في الانترنت فوجدت أن تعاقب الزمن قد بدل جلدتها ودور نشرها وبالتالي مترجميها.. فسارعت إلى اقتناء النسخة الجديدة منها.. وقرأتهما معا سطرا بسطر.. ووجدت متعة في استكشاف ما تميل إليه ذائقتي القرائية.. ونويت أن يكون هذا منهجي في اختيار الكتب المترجمة باختلاف تصنيفها… وتعلمت .. أن الكاتب الأجنبي والمترجم عملة يكمل وجها الأول وجهها الآخر.. فإن تكامل الوجهان أصبحت العملة ذهبا.. وإن تنافرا.. لم يكتمل وجهها وتبددت..

ونعود ونؤكد بأن كل كتاب يطرق قلب القارئ ويصفق له هو عملة من ذهب ما استمتع القارئ بما يقرأ..

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑