يتيح لنا يوليو من كل عام في عمر سجال فرصة أن نقرأ بحرية.. أن نختار نحن ما نود قراءته.. وقد يتجسد ذلك في رواية مرتقبة لكاتب حبيب القلم.. أو كتاب يحمل عنوانه جوابا لسؤال معتق لم ينل سجال شرف قراءته بعد.. أو قد يكون ذلك استجابة للحنين إلى نمط جميل من القراءة.. ولأسباب اخر..
والتحاور هو مفاتحنا السحري الذي يفتح امامنا خزائن الجمال.. حيث نعثر على جواب السؤوال الفضول العظيم..لماذا ننتظر يوليو لنقرأ كتاب بعينه .. وتتوالى الاسئلة طبقا للأجوبة المعطاه .. ونترقب.. وننصت.. لا لصوت المتحدثة فقط عن كتابها.. لا.. بل ننسط أيضا لأنفاسها الحاملة للكلمات المتدفقة من شرحها.. لإيماءاتها.. لسكتاتها وانطلاقاتها.. أجل .. فالكتب التي نقرأ تقرأنا أيضا.. وأنا لتلك القراءة بالمرصاد .. لا مرصاد قنص.. بل مرصاد حب وتعلم.. وجمال.. مرصاد قراءة للقارئ نفسه..
نرصد مقدار ما تشيع تلك القراءة في روح السجالية من سعادة ومقدار ما أطفأت.. أجل هناك كتب تقدح فرحتنا وأحيانا تقدح الغضب فينا.. فمن الكتابات ما يتحرش بجروحنا العتيقة المطمورة فتوفضها لتداويها..أو.. تهيل عليها مزيدا من التراب..أجل
كانت بداية الرصد والقنص في يوم اللقاء ذاك مع قارئة رواية أليف شافاك المعنونة بـ”قواعد العشق الأربعون” التي كشفت لنا قراءتها دور الترجمة في أن تبرز روعت حبكة الرواية أو تطمرها.. فلقد عانت قارئة الرواية بالترجمة الحديثة المتوفرة في الأسواق ثقل منعها من المضي في قراءتها قدما .. بل وتعثرت حتى كادت القارئة أن تبدل اختيارها لهذا الكتاب بأي كتب آخر.. ولكن..
حين حملت إليها نسختي العتيقة وأنا مندهشة .. أنا التي اغرمت بهذه الروية من اول سطر إلى آخر نقطة ..وبدأت القارئة في قراءتها .. استرسلت تقرأ وتقرأ وكأنها تتهادى على سطح من حرير.. تهادٍ لا يخلو من وقفات دهشة وانبهار واستنكار حتى.. فعدلت عن فكرة تغيير قراءتها في شهر القراءة الحرة واستعارت نسختي من الرواية وانتهت من قرائة الصفحات الخمس مئة بسرعة أدهشتها وأسعدتني.. و على الرغم من استياء القارئة من بعض مفاهيم العشق الالهي التي تصادمة مع شيئ من مفاهيمها إلا ان تحاورنا عن الرواية في يوم اللقاء رصدت متعة تقاطرت من على الكلمات في تحاورنا الذي أيقض في القارئة حبا لمعرفة المزيد عن شمس الدين التبريزي وابن الرومي الشخصيتين الرئيسيتين في الرواية..
ثم جاء دور غسان كنفاني وكتاب الهوية القاتلة.. حيث آمن الكاتب بضرورة تشبث الإنسان بهوية الأصلية وإن خرج من دياره مضطرا ناجيا بحياته.. ومهما قسى العيش عليه في وطنه الأم.. ومهما تقلب في نعم وطنه الجديد.. و مهما نهب اغترابه من سني عمره ما نهب.. ولمسنا بين الحروف وجرات النفس الخجلة العميقة لقارئة هذا الكتاب حنين .. وفخر.. وأمنيات ..أن لا يغترب إنسان قسرا عن بلدة.. وأن تعود كل تلك القلوب المسكونة بالحنين إلى حيث تنهي اغترابها..
ومن عالم الصوفية ونهج العدالة الانسانية والعشق انتقلنا في تحاورنا الى الادب الياباني.. على يد هاروكي موركامي في رواية مقتل الكومنداتور.. ويال ثراء الخيال الياباني الذي لا يثبط غزارته شيء.. تلك العزارة التي تسقطك في حفرة شبيهة بالحفرة التي سقطت فيها اليس فانزلقت عبر الوحل والظلام الى بلاد العجائب.. بل إن العجب والاعجاب والحب سطع في ملامح قارئة الروية وهي تحمل الكتاب بين يديها وتضمه الى عاتقها وتراقصه طوال الوقت .. فبالكاد وضعته ارضا بينما كنا نتحاور.. فكرة مجنونة تلك التي تمكن رساما من رسم ذوات شخصياته.. بينما تتراءا من حوله في معزله شخصيات كانت مرسومة في لوحة مخبأة واستسلام لرسوماته تسيره وتتدخل في حياته كيفما شاءت وعموض وقدرات خارقة وسحر وجمال وحب.. عالم مجنون جدير بالاكتشاف..
وعدنا إلى أليف شافاك تارة أخرى عقب خروجنا من حفرة هاروكي موركامي وبلاد عجائبه المجنونة الآسرة لنتحاور في رواية حليب أسود .. تلك الرواية التي صرحت قارئتها بأن الرواية اختارتها.. واعادت ترتيبها من الداخل خلال الايام التي قراتها فيها..وما انتهت من قراءتها حتى غمرها شعور شهدنا سعادتها به في توهجها بينما كانت تحدثنا عن الرواية .. فلقد بدت وكأنها تتعطر بالكلمات.. وتراقص كل الشخصيات الخمس التي تجاذبت حبكة الرواية.. فلقد كتبت هذه الرواية من أجلها.. وقرأت في الوقت المناسب تماما بالنسبة لها… لله در هذا الشعور..أغبط كل قارئ ييسر له امر قراءة كتاب مناسب في وقت مناسب يعيد ترتيب حياته.. المجد للقراءة..
ومن شعور الغبطة ورواية الحزن والحب تلك إلى ربوع أمركا برواية فهرنهايت 451 للكاتب الاميريكي راي براد بوري في زمن لم يأتي على الأرض بعد .. حيث يوكل للإطفائيين فيه مهمة حرق الكتب وحرق بيوت مقتنيها.. فالكتب في ذاك الزمان مصدر للشر.. و على السلطة وقاية الناس منه..لكن السحر ينقلب على الساحر ويلقى القبض على الاطفائي بطل القصة بجريمة اقتناء الكتب ويؤمر بحرق بيته.. فيهرب من المدينة ذات الحداثة والتقنيات إلى الغابة.. حيث يصادف عالم يسكنه أناس عادو الى البدائية ولكن في عقل كل منهم تسكن مطمئنة عشرات الكتب.. فهل ستنقذ الكتب المحفوظة حياتهم البدائية.. وهل ستستمر حياة المدينة المحاربة للكتب في ازدهار.. حيرة لذيذة حملتها الينا قارئة الكتاب فتحاورنا فيها.. الويل لنا إن كان كهذا مستقبل الكتاب في حياتنا..
وآخر مراسينا في لقاء التحاور عن روايات شهر القراءة الحركة كان رواية من الأدب البرتغالي..تسمى فيزياء الحزن لكاتبها غيورغي غوسبودينوف رواية كتبت بأسلوب مختلف.. تشك وأنت تقراه بأنك لا زلت تقرأ رواية.. فأنت بينما تقرأ تجد نفسك في سيرة ذاتيه ثم في معلومات عن الاساطير الاغريقية .. ثم تعود الى بطل الرواية وحياةه وذكريات طفولته وشبابه وحياته اليوم وفكر المختلف ونواياه الغريبة.. ويحتل المينوتور.. وهو جسدانسان برأس ثور.. معضم تلك الازمنة والنقلات ..فبطل للرواية يعاني من حالة تسمى التقمص الوجداني.. انه ينغمس في ذاكرة الاشخاص والاشياء من حولة لدرجة قدرته على كشف الذكريات المخبئة في خانة النسيان من عقل الشخص الذي يتقمصه لكنه يفقد هذه الميزة حين يودع الطفولة وينضج.. فيقرر انه سيجمع الذكريات والقصص في كبسولة زمنية ..
رواية مليئة بالحكمة بالقصص القصيرة بالمعومات التاريخية والأسطورية .. ولم تخلو من الرسومات التوضيحية.. رواية تنقلك الى بعد آخر للحزن يتجسد في الظلم الواقع على الكائنات التي لا حول لها ولا قوة أمام مواجهة سلطة الأنسان الظالم وسيطرته.. وبطل تلك الكائنات المغلوبة على أمرها كان المنيتور كمخلوق المونيتور والنساء والاطفال.. رواية تفيض بالذكريات.. والحكايات والحالات الانسانية لمتعددة العميقة المتغيرة.. قارئة هذه الرواية قرأتها مرتين.. ورجت ان تقراها السجاليات معا.. فالرواية ما زالت مليئة بالاسرار والروائع.. ليس أجدر من السجاليات عقلا يجيد سبر اغوار الاسرار واكتشافها..
وهكذا قضينا وقت اللقاء نتنقل من مرسى إلى آخر.. ندخل الى عوالم لم نعهدها من قبل.. نظيف الى زوايانا ووايا جديدة نجدد بها ذائقتنا القرائية ونستمتع.. المجد للقراء


أضف تعليق