شجرة برتقالهِ تجذرت .. فينا

زيزرا كان بطل للرواية (شجرتي شجرة البرتقال الرائعة) طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره .. يحمل في قلبه البسيط الكبير هم العالم.. وفي روحه الغضة شجاعة وفي سلوكه صرخات استنجاد عظيمة مبهمة اللغة، عصية التفسير.. فقط لأن لا أحد في كوكبه (بيت العائلة) يكترث به .. فالفقر قد أعمى البصيرة منهم ووأد المشاعر والأحاسيس.. ثم استعبدهم في كد مضن، لا يكاد ينتهي.. قتلهم ذلك وهم أحياء..وحين لم يجد ما يقتله فيهم تقاتلوا هم فيما بينهم… ألا قاتل الله الفقر..

زيزا كان طفل يبحث عن الحب في هيئة حنان.. عن كائن لا يشتمه ولا يشعره بأنه شيطان صغير سيء نكرة لا يصلح لشيء.. زيزا كان طفل يعتني بطفل (لويس) وتعتني به طفلة (غلوريا) فأي عناية تلك التي يروم طفل -يدور في نفس فلك العوز والحرمان- تقديمها لطفل مثله..؟؟ م انفك يطن في أذهاننا سؤال كلما طوينا صفحة من صفحات الرواية ..ما ذنب الائك الأطفال وقد غرق ذويهما في لجة الفقر (الأم تكدح في مصنع) والخيبات (الأب عاطل عن العمل.. بائس) حد العمى ..

زيزا كان طفل وما حيلة الأطفال – حين تضمأ أنفسهم للحب ويعشش الخوف في أرجاء بيوتهم – سوى الهرب إلى أجمل ما يملكون (الخيال) بل إن زيزا قد خلق له من ذلك الخيال أصدقاء (الوسيانو، مينجوينهو) يحدثهم ويبادلونه الحديث و يشاركونه الأحلام .. ويحنون عليه..

أراد زيزا فهم العالم… وما كان سبيله الوحيد إلى ذلك الفهم سوى (السؤال)، فحيث كان يجد زيزا ظالته (أدموندو).. يضل.. ..يسأل وينسط .. ففي بيت زيزا لاينصت أحد إلا لصوت الفاقة والوجع… إلا شجرته شجرة البرتقال الحلوة (مينجوينهو).. فهي تنصت له.. تشاركه أسراره وأحلامه ورحلاته الجامحة مع أبطاله.. ممثلي أفلام الغرب الأمريكية.. وفيض من مشاكسات ينفس بها عن وجعه الذي لا ينضب.. لله در طفل لا يفهمه في عالمه الصغير إلا بعض الغرباء.. ولا يقدر التعبير عن وجوده إلا بالمشاكسات..

ولاحت لنا بارقة فرج لزيزا ونحن نراه يخرج باكرا الى الشارع متقلدا صندوق تلميع الاحذية.. عازما على أن يطرد من عين أبيه جحوظ القهر الذي تسبب زيزا بها.. يوم اعلن سخطه على فقر ابيه… وتملصت من مآقينا دمعة وقد جمع الحب وخوف في كلمة بابا.. وهو يقدم إلى هذا البابا هدية الميلاد التي كسب ثمنها من كده في تلميع احذية الناس.. أجل سيلين قلب الأب من بعد دفق كل تلك المشاعر وصدقها.. لكن هيهات..

وجد زيزا الحب في قلب عجوز برتغالي لم تنقذه ثروته وسيارته (الأجمل في العالم) من وحدتة الصاخبة.. وأصبحا صديقين.. وابتهجت الحياة في زيزا.. فهدأت كل ثوراته واستصراخه.. وحتى الجراح والكدمات التي ضرجه بها أبوه – في ثورة غباء نسي خلالها أن زيزا طفله لا كيس ملاكمة يسقط عليها سخطه من فشله.- كل ذلك خبى.. حين وجد زيزا الحنان في صدر يحتويه كما هو (البرتغالي..مانويل فالديرايس) .. فدبت الحياة في زهرة الطفولة في جوفه فتفتحت.. و تلونت الحياة.. وتبددت وحشة البرتغالي كذلك حتى.. سحق (المانجاراتيبا) كل تل الفرحة الخاطفة في لحظة.. فانهار عالم زيزا .. وعزم على الذهاب إلى السماء كما ذهب البرتغالي..

حينها فقط تقاطر الجميع إلى زيزا المتكور على الفراش طلب للموت.. وأسقطوا كل أسلحتهم.. كاشفين عن خرير حب ينساب من قلوبهم الرمادية نحوه .. ينساب إليه لأول مرة في عمر سنينه الخمس..آلأن وقد فقد كل شيء..؟ أين كنتم قبل هذا؟؟

وحتى فرحة أبيه الذي زالت عصابة السخط عن عينيه ورقص الفرح في قلبه..لم تصل إلى الحطام الساخن في جوف زيزا..ولم يشعر بأي شيء نحو أبيه وهو يزف إلى العائلة بشارة تخلصهم من الفقر .. لقد وجد عملا.. في تلك اللحظة بالذات أعلن زيزا أن أباه قد مات في قلبه منذ أن حوله إلى كيس ملاكمة.. ولا أموات يعودون إلى الحياة.. وإن كان ذلك ممكنا.. فالأولى أن يعود البرتغالي إليها… لا أبيه…ألا قاتل الله الفقر.. ألا قاتل الله الأنانية..

ترى لماذا تسحقنا الفاقة الى الحد الذي نتجاهل مع وجودها كل تلك النعم التي تحيط بنا..؟ من نكون حينها.. مالذي نجنيه على أنفسنا.

قصة زيزا الذي يحمل الحنان إلى العالم … خربشت على الأبواب العتيقة الموصدة منذ الأزل .. هناك ..في الزوايا البعيدة في أنفس البعض منا.. لذا وجد الواحد منا بضعا منه فيها..

رحم الله كل طفل ولد في بيت فقر وقْعُ الفقر فيه أعظم من كل أي شيء..

وآخر البوح نصفق للكاتب (خوسية ماورو دي فاسكونيسيلوس) ونرفع القبعة ونداري اغروراق اعيننا بالدموع ونبتسم.. ونلتفت إلى المترجمة (إيناس العباسي) نحتضنها.. ونعيد رفع القبعات لها.. ونصفق طويلا..

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑