لظل الريح ظل لم يبارحنا..

رواية رافقتنا في مايو الماضي ولم تغادرنا روعتها حتى يومنا هذا.. ولا أظنها تفعل.. فكيف لها فعل ذلك وهي التي تغلغلت في قلوبنا بقصص حب وحقد وأسرار بدأت بمكتبة مموهة مخفية.. وانتهت بكشف حقائق أمر من أن توصف بالعلقم … ثم انتهت نهاية وحيدة سعيدة.. رواية تملأها أحداث في أحداث يتداخل فيها زمنين مختلفين تكاد خيوط حياة الأبطال فيهما تتماثل وقد تشابكت..

أما التماثل في احداث الرواية فيبدو في وجود حبيبين رئيسيين خوليان ودانيال.. وحبيبتان رئيسيتان بينيالوب وبياترز (بيا)، ..حبيب كان وضيع النسب وآخر متواضعه.. وحبيبتان مخمليتي الطبقة الإجتماعية .. الحبيب الأول بائع قبعات مع من كان يظن بأنه والده.. والثاني يبيع الكتب بجانب والده في مكتبتهم الحبيبة.. وبينه وبين أبيه سر عظيم يسمى مقبرة الكتب المنسية.. !

تبدأ حياة دانيال القارئ النهم حين يكشف له أبيه عن السر الذي توارثه بدوره من أبيه.. ويأخذه طفلا إلى مكمن السر.. مقبرة الكتب المنسية.. ويخرج حاملا كتابا منسي لكاتب منسي أيضا.. عنوان الكتاب كان ظل الريح والكاتب خوليان كاراكاس ومحتوى الكتاب قصة تغيرت أسماء الشخوص فيها لكنها أحداثها وقائع من حياة خوليان نفسه..!

يخرج كتاب خوليان كركاس إلى النور على يد دانيال.. ويتبع خروجه صيادين.. أحدهما يتصيد كتابا ويضج برائحة الحريق (خوليان).. والآخر يتصيد صائد الكتب وينضح بالجبروت والانتقام (فوميرو)..

يشتعل الكتاب فضول دانيال ويبدأ في نبش التاريخ متسائلا.. من هذا الذي يريد هذا الكتاب بكل هذه الاستماته.. ولماذا يضج برائحة الحريق.. ما قصة هذا الكتاب.. ومن هذا الذي يهتم لأمر الكاتب وهو رجل سياسة وسلطة فجة.. ومن هنا تنكشف الأسرار ستارا بعد ستار..

من جماليات هذه الرواية أنك تصادف وأنت تقرأها شخصيات يتجاوز عددها الثلاثين.. ولا تشعر أبدا بأن أيا منها قد حشر هناك أو هنا أو أن الكاتب اضطر للزج به في سياق ما كتب ليعيد التوازن إلى السرد..

كما أنك تستمتع بكل ما يمر عليك من قصص في قصص في قصص.. تترابط كغزل محكم النسيج حريري .. لا تشوبه شائبة ولا يعكر مزاجك منه نتوء ولا ثقب ولا رخاوة.. وكان من أجمل ما استشعر قلبي من تلك القصص قصة ميغيل صديق خوليان الذي لست أدري هل تخطيطه لهروب خوليان إلى باريس مع حبيبته بينيالوب وتكفله بمصاريف كل شيء كان ليتخلص من خوليان وتصفوا له نوريا التي كانت تعشق خوليان وكان هو متيم بها.. أم فعل ذلك لأن خوليان صديقه الحميم؟

وحين تنكر ميغيل بلباسه خوليان وأخذ أوراقه الثبوتية وهو على يقين بأن هناك من يتربص بخوليان ليقته فقتل عوضا عنه.. أكان ذلك وفاء لصديقه أم انتحارا.. فحبه الأوحد نوريا لم تحبه يوما بالرغم من تزوجهما .. بل ضلت تعشق خوليان..

وذلك الحاقد الاحمق نتاج سوء التربية فوميرو.. لعمري إني اشفقت عليه أكثر من كرهي له.. فما حوله إلى حاقد سوى ظن عظمه وهم، فحولته نفسه المختلة إلى حقد أعماه فبات يكره كل شيء.. ويدمر أي شيء حتى يشعر بأنه شيء.. وما دمر في الحقيقة إلا نفسه.

وقد تقرأ انت الرواية فيلامس شغاف قلبك شخصية أخرى أو شخصيات عدة أو كل من مر عليك في خضم هذا السرد البديع وإن كان عامل مقبرة أو حارس بناية أو مارا تتخيل وجوده في أي مشهد تقرأه.. وياللجمال..

اما إن خرجنا من اطر العشاق والمخلصين ونظرنا إلى الجانب المظلم من الرواية.. الشر العتيق.. ستستشعر الظلم الأكبر الذي وقع على خوليان حين دخل حياته عنوة الدون ريكاردو الدايا والده الحقيقي الذي أخفى عنه حقيقة كونه والده وجاء في هيئة المحسن المشفق متبني المواهب.. وتستغرب حد الحيرة من والدة خوليان صوفيا.. التي تجرعت الصمت المرير حتى وقت الكارثة حين عشق الاخ اخته بجهالة .. وحبلت..وماتت هي وجنينها ظنا بأن ما فرق بينهم هو مستوياتهما الاجتماعية وليست مصيبة ما اقترفه الدون ركاردو الاب.. وصوفيا الام.. صمتا ففقد خوليانوا طعم الحياة حد الرغبة الشديدة في الاختفاء من العالم بلا أثر وإن كان ذلك الأثر كتاب منسي في مقبرة للكتب المنسية..

.. ودفعت بينيالوب حياتها ثمنا لذلك الصمت.. ماتت مقهورة مخدوعة.. هي وجنينها.. ياللحماقات كيف سحقت كل شيء.. حماقة جعلتنا نحمل أمل في كشف صاعق للحقيقة يلطم صوفيا و الدون ريكاردو.. ويأخذ بثأر خوليان و بينيالوب.. لكن الكاتب تركنا حتى آخر صفحة من الكتاب نتسائل.. لماذا لم يخبر أيهما هذا الخوليان البائس بأن بينيالوب أخته!! فتسارعنا لنكمل نحن الحكاية .. ويالها من حكاية.. وياللجمال..

كل قصة في جوف تلك الرواية تجذبك وتقنعك.. وتترك في قلبك بصمة أو حكمة.. أو تبث في أرجائك هزة ناعمة عميقة..

ولعمري.. إن الحديث عن كل شخوص يكاد لا ينتهي.. سنترك لكم الحديث عن تلك الشخوص في التعليقات نحن في أشد الترقب لها … ودعونا نحدثكم قليلا عن المترجم ( معاوية عبدالمجيد )

إن مجهوده الذي بذله في ترجمة هذه الرواية لهو بصمة مدهشة لذيذة.. تكحل عينيك بجمال اللغة في كل سطر تقرأه.. وتطمئن قلبك لتمكن المترجم من أدواتها .. ونشعر أثناء قراءتنا للرواية بأن السرد فيها له فعل كعصى كمان سحرية لا تمر على قلبك إلا ويفعم بالعذوبة والجمال.. عذوبة بتنا نتسائل بسببها بينما نقرأ.. أهذه براعة من هذه التي تغمرنا بهذا الجمال ..الكاتب أم المترجم ..؟ أنقل الينا المترجم هذا النص بأجمل ما تمخضت عنه اللغة العربية الحبيبة الفصحى أم أن لغة الكاتب (كارلوس زافون) أبت إلا أن تصاغ بأعذب كلمات اللغة العربية الحبيبة الفصحى..

ولله در الإثنين.. ولهما نرفع القبعة ونصفق طويلا..

وإليهما نوجه من الروح شكرا.. على هذه العذوبة التي لن تنسى..

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑