يحكى أني ..
كنت كعادتي أحمل معي كتاب دائما أينما ذهبت وحيثما كنت.. لكن.. في ذلك اليوم .. حملت رواية لعبة الملاك لكارلوس زافون.. كان الكتاب الذي يحتويها أكبر من أن تحتويه حقيبة يدي الكبيرة.. فطفت به أروقة ياس مول وهو في يدي.. وجعلت أسرق من سطوره سطرا هنا وسطرا هناك كلما استطعت خطف دقيقة من وقت ذلك الطواف ولعمري إن ذلك كان سريعا جميلا.. أجل .. فالوقت الذي كان يلتهمه مني فعل وضع الشنطة وفتحها وسحب الكتاب منها صرفته في فتح الكتاب مباشرة وقراءته.. وأن بدا هذا الوقت ضئيلا إلا أنه بالنسبة لقلبي العاشق للكلمات ثروة..
وبينما كنت أمشي بين أروقة المول ..أمسح بعيني واجهات المحلات ..تذكرت أني في حاجة إلى قطعة قماش جديدة لتنظيف سلاحي في القراءة .. نظارتي الحمراء الإطار.. فمررت أمام محل للنظارات جديد، لكني تكاسلت عن الدخول إليه وطلب قطعة القماش التي توفرها محال النظارات مجانا على حد تجربتي.. ومع مضي الوقت تجاهلت الموضوع تماما.. فقطعة القماش المتهالكة التي في حوزتي حاليا .. لا يزال فيها رمق.. وإن لفضت أنفاسها الأخيرة سأجد في البحث عن بدائلها..
وبينما كنت أهم إلى الخروج من المول. وعند آخر محل للنظرات في هذا الرواق.. توقفت.. هيا.. اطلبي قطعة القماش وانصرفي.. لن يأخذ منك الطلب غير دقائق معدودة .. حدثت نفس بهذا وأنا متسمرة عند مدخ المحل ءأرجح كتفي مستعينة بثقل حقيبة يدي..هيا.. هيا.. لن يأخذ الوقت منك دقيقة.. حدثت نفسي مجددا.. خببت إلى طاولة الاستقبال مباشرة …
بينما كانت ترحب بدخولي للمحل ..حيث كانت تقف على يميني عند باقة من الزبائن .. بسمت وترقب.. وعيون خضراء.. وقع نظرها على وجهي ثم على ما بين يدي .. الكتاب السمين.. تهادى إلى مسمعي سؤال.. اتقرئين الكتب.. لمن هذا الكتاب.. كارلوس زافون.. لم اقرأ له من قبل.. لاتيني.. أجل.. وطفقت أخب.. ترددت صاحبت السمت الوقور بين أن تنصت إلى جوابي أو تتابع عملها مع الزبائن الذين كانو يقلبون النظارات الشمسية بين أيديهم ويتهامسون.. لكن السؤال كبح خببي .. التفت إليها.. وانطلقنا نتحدث حديث كرة تنس الطاولة.. سؤال وجواب.. كلمتين بكلمة.. وكلمة بثلاث كلمات .. سريعا .. مفرحا..
فعرفت منها أنها عاشقة للقراءة مثلي.. كارهة للكتب الإلكترونية.. تقرأ لدويستويفسكي ..مشتاقة لكتاب ورقي تحمله بين يديها.. تقلب صفحاته.. تزكم أنفها رائحته.. وتنساب نظراتها على حروفه بلا ضوء يؤذيها..مثلي.. وختمت الحديث بسخط ساخر على أسعار الكتب الملتهبة.. مثلي..
رفرفت فراشات الفرح في فؤادي.. لكن الفراشات المرفرفة كانت حزينة.. قارئ يتوق للقراءة .. ولا يقف بينه وبين حبه سوى لوح الكتروني وأسعار شرسة !!.. لا.. لاتحزني يا فراشاتي..
رجوت صاحبة السمت والوقار قبول أن أهديها كتابا.. فوضعت يدها على صدرها مبتهجة غير مصدقة.. فحملت بهجتها تلك وقهقة الفراشات في صدري وطرت إلى المكتبة .. المكتبة تقع في نفس الرواق.. ولا تبعد سوى بضع خطوات عن محل النظارات…
أي كتاب أقتني .. هل قرأت هذا الكتاب من قبل.. لن اقتني كتاب لدويستويفسكي .. إذا فلأقتني لها أجمل ما قرأته في “سجال” مما يوجد هنا…
اقتنيت رواية العمى .. ظل الريح.. شجرتي شجرة البرتقال الرائعة .. باتشيرتا… خطفت الكيس من يد البائع وهرعت بالكتب إلى صاحبة السمت والوقار.. تزفني جوقة قلبي …
كانت منهمكة في الرد على الزبائن في الهاتف.. المحل خالٍ.. أنهت حديثها معهم بأسرع ما استطاعت .. لا زلت أذكر بريق الفرح في عينيها .. ويدها التي تهدء من وجيب الفرح في صدرها مرة إثر مرة.. لا أصدق .. كتاب يأتيني هدية.. أشعر كأنني عدت إلى أيام الجامعة… رددت ذات السمت..فجاوبتها .. تفضلي.. لدي نادٍ للقراءة وهذا ما وجدت في المكتبة من أجمل الكتب التي قرأناها فيه “سجال”.. وطفقت أخبرها عن “سجال” فاشتعلت حماسا.. كما اشتعلت أنا.. وتبادلنا أرقام الهاتف والاسماء.. وها هي ذي.. بين عشية وضحاها .. تصبح جوهرة في عقد سجال..
يغمرني شعور لاقدرة لي على وصفه بقدر ما أحسه.. فلقد أهدت ذات السمت لروحي بهجة.. وكان اسمها وردة..


يالله كم هذه القصة جميلة
إعجابLiked by 1 person
هي كذلك.. اجل..
إعجابإعجاب