لم تحب اسمها ولم نعرفها.. فتعلمناها..

رواية خدعتني حتى كشفت لي حقيقة أني لم أقرأ بوجداني .. بل بعيني فقط .. وبالتحديد بتلك العينين اللتان ترقبتا من كاتبة -كأليف شافاك- أن تجدا سردا تقتات على لذائذ حبكته وجميل خفايا ما بين سطوره.. لكن يبدوا أن ما كان من خفايا وبين سطور في هذه الرواية أكبر من فهمي له.. أنا القارئة العتيقة المتوشحة بكامل الفهم.. أجل… خدعت ، وتبينت لي حدود تلك الخديعة حين أعدت قراءة الرواية سريعا مرة أخرى في اليوم المحدد للقاء وقبله استعدادا لتحاور فيه… ولعمري لم تزدني قراءتي تلك إلا استفهاما واستغرابا.. وتصعيدا وتيرة التساؤلات لدي.. ماذا تريد منا أليف.. ما الذي لا أراه هنا؟.. وحرت جوابا.. لكن.. ما يجري لي الآن مع رواية أليف شفاك هذه قد جرى لي سابقا مع رواية أنفس لعبده خال.. ولا طاقة لي في اللدغ من ذات الجحر مرتين .. أذكى كل هذا شوقي لتلاقي “بالسجاليات”.. فالتحاور معهن دائما يعنون .. بعثرتي فتسكن وتترتب.. فالنجدة النجدة.. اللقاء اللقاء

وحان اللقاء واجتمعت السجاليات ومعظمنا يتربع في قلوبنا يقين.. يقين بأن التحاور في هذه الرواية لن يستغرق أكثر من ساعة نطارد خلالها جميعا كل غموض فيها حتى نطرده.. إن الرواية صغيرة بسيطة.. سيكون الطرد سريعا سهلا مسليا إذا.. وإذا باللقاء يمتد حتى لأكثر من خمس ساعات..! أجل خمس.. أنصتنا فيها أكثر مما حاورنا .. وسألنا أكثر مما داخلنا.. واندهشنا وانبهرنا أكثر من تسلينا.. واجتاح فكرنا زخم جارف من معرفة شحيح مخزونها لدينا.. شح لم يسعفنا ونحن نقرأ هذه الرواية قط.. لم نفكر فيه قط.. أنقذنا ذلك الزخم.. زخم العارفين بروائع الفلسفة وبدائع التصوف.. فجلسنا نتأملهم وهم يكشفون عن كل غموض ستره فيبوح لنا بروائعه..

المجد لنوادي الكتب.. أجل.. فلولا باقة العقول والأنفس والأرواح .. المتنوعة الثفافة .. المختلفة في استخلاص المعرفة.. التي تكونها لما تكشفت لنا -بين كتاب وأخر- مكامن ما تحمل بعض الكتب من معرفة تندس في ما بين سطورها .. أو لما تمكنا من الاطلاع على لون أدبي لا تميل إليه ذوائقنا القرائية مثلا.. بل سنفقد بوصلة التنوع في القراءة أيضا .. والمصيبة أن تسأم أرواحنا من تكرار تناول ذات الصنف من الكتب مرة بعد مرة.. أجل.. ومن ذاق -بالتحاور في كتاب لا يتماشى مع ذائقته القرائية- شعور السأم أولا ثم روعة الاستكشاف والفهم والتعلم يعي جيدا ماذا نقول ما دام قلبه وعقله وروحة متهيئين لتلقي ذلك.. سيدرك كما أدركنا.. كيف يصبح -وهو ضمن نادي كتاب- إنسان أجمل..

وبالعودة الى رواية البنت التي لا تحب اسمها لأليف شافاك فإني أعترف .. حين انتهيت من قراءة الكتاب أول مرة في جلسة واحدة منحته نجمتان.. وبعد أن تحاورت فيه مع جواهر نادي الكتاب سجال.. وددت لو أهيل عليه كل ما يسعفني خيالي باستحضاره من النجوم.. وذلك لأني اكتشفت أن ما حوى الكتاب بين جناحيه أبعد من قصة فتاة وقراءة وقارة ثامنة ومغامرات تنقذها.. الكتاب تجسيدا لرحلة الإنسان .. لحياته .. وتحذيرا من فقدنا لأثمن ما يمكن أن نبني فيه عالما أفضل.. المعرفة.. وما يمكن أن تقدم لهذا العالم.. أن تنفذه..

أما عن حالنا عقب التحاور في تلك الرواية فإني ومن حضر معي لا زلنا نتأمل تلك الرموز التي اتضحت.. و التساؤلات التي تصاعدت في تحاورنا .. فمثلا إن كان لكل منا درع في الحياة يحميه (كدرع سلحفاة زهرة الساردونيا التي كانت تطعمها الكالسيوم لتقوى صدفتها).. فما هو درعي؟.. وماهي حبوب الكالسيوم التي يستمد منها صلابة.. وإن عرفت كنه هذا الدرع فهل أنا محتاج أصلا له.. هل هذا الدرع هو درعي الصحيح.. وهل تغذيتي له صحيحة؟

واكتشفنا أن البلورة رمز والإسورة رمز.. فإلى ما ترمز عندنا.. عندي.. ماهي بلوراتي السحرية.. وهل أملك لها سوارا يعيدني إلى عالمي كلما تغربت عنه سعيا لإنقاذه.. مما سأنقذه.. لماذا سيحتاج إلى إنقاذ.. وبأي شيء سأحافظ على استمرار بلورتي مشحونة بالطاقة… أي طاقة..؟

هل في عالمي قارة أجهلها.. جزء مني لا أعرفه.. وأين توجد تلك القارة مني.. ولماذا في عالمنا المعروف القارات مهما كان عددها بالنسبة لكل واحد منا.. توجد قارة نجهلها.. ؟

وإلى ما ترمز الطرق الأربعة(التراب والماء والنار والهواء ).. وتلك الكائنات التي تسكنها وتطلب من الناوين السير في طرائقها جواب سؤال يفتح الطريق امامهم.. ؟ ونحن أن رمنا السير في طريق جديد في الحياة.. هل نحمل أجوبة لأي سؤال قد يحدد جوابه مصيرنا إما بقطع الطريق علينا أو بفتح كل الأبواب..؟

والساحرة التنين .. سمكة السلمون.. والحصان ذو القران .. وزهرة و أصوتاي وأومي وبلاد إفهم وكيس جمع الأفكار والسيد ناظم والأقلام والأوراق والقصص المكتوبة بأيدي الأطفال .. إلخ.. كل كائن في تلك الرواية كان رمزا يستحق منا الوقوف وتأمل ماهيته.. ملامحه.. وأسباب وجوده.. وحين فعلنا ذلك.. لم تعود الرواية كما ظننا.. ولم نعد نحن أيضا كما كنا.. وهنا تكمن الروعة.. روعة حبكة فاقت روائعها بساطتها..

ولولا السجاليات (وبخاصة اللواتي كنا يكملن جمل بعضهن بعضا في اللقاء .. واكتشفن أيضا أنهن اخترن من سطور الرواية نفس الجمل ) لما اكتشفت ذلك.. ولا التفت أنا إلى عظم نعمة الخيال كما لفتتني إليها هذه الرواية.. أجل إن الخيال نعمة.. فالخيال ثم الخيال ثم الخيال..

ثم انضموا إلى نادي قراءة .. فحينها لا تصبح القراءة فقط قراءة.. كما لم تكن القراءة في هذه الرواية فقط قراءة

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑