هاول وساحرة الخراب وصوفي

يبدأ الفلم بمشهد لشخصية تدعى صوفي..وهي فتاة ههادئة عادي، .. ليس لها نصيب في الجمال مقارنة بأمها وأخواتها، ولا حتى نصيب من القبعات الجميلة التي تصنعها، فقبعتها بسيطة قديمة وهي صانعة للقبعات، وحتى ثيابها كانت عادية منطفئة اللون.. و حياتها تدور حول إرث والدها متجر بيع القبعات التي كانت تزينها بيدها في سكون لم يعكره سوى اللعنة التي القتها عليها ساحرة الخراب يوم ظهر هاول في حياتها.. فساحرة الخراب خشيت من أن تسرق صوفي قلب هاول الذي انقذها من صفاقة الجنود مصادفة!! .. فحولت اللعنة صوفي إلى عجوز بدينة في أرذل العمر، بظهر منحني ووجه تجتاحه التجاعيد وأنف يكاد يلامس شفتيها، وبسبب تلك اللعنة انضمت صوفي إلى ساكني قلعة هاول وهي في طريقها للبحث عن من يساعدها في رفع هذه اللعنة عنها.. حيث تنقذ صوفي بالصدفة فزاعة سمتها لاحقا برأس الفجل و الذي بدوره انقذ سكان القلعة لاحقا لكنه بداية قاد صوفي إلى قلعة هاول صدفة، ورأس الفجل أيضا كان إنسان حولته لعنة ما إلى فزاعه..

أما صاحب القلعة هاول.. فيبدو شخص حسن الخِلقة والخلُق، متخرج من مدرسة الشعوذة في بلاده التي تلزم السحرة المتخرجين فيها بميثاق يضمن ولاء السحرة وخدمتهم لملك البلاد، وقلعته التي يسمى الفلم بإسمها كانت بشعة البنيان قبيحة المنظر متهالكة ذات مداخن تنفث دخانا أسودا..و لمشيتها المتضعضعة قعقعة .. أجل القلعة تمشي هائمة على وجهها في الجبال والسهول.. ولها باب سحري ينقل ساكني القلعة من بلاد إلى بلاد إلى عوالم غريبة عبر لوح دائري سحري ملون معلق بالقرب من زاوية الباب اليمنى، كان اختيار كل الألوان من اللوح الدائري مسموح به سوى اللون الخاص بهاول وحده.. لون أسود.. ينقل هاول إلى عالم غامض، ولم يكترث هاول لأمر القلعة مادامت قائمة متماسكة الأركان..!!والقلعة.. مليئة بالكراكيب، وتعمها فوضى متراكمة باتت مرتعا للهوام والحشرات والظلام.

يقطن في هذه القلعة مع هاول طفل يقوم بخدمته ويبيع للناس الوهم في جرعات سحرية ويحرص على بقاء نار الموقد مشتعلة، تسكن الموقد نار ناطقة تدعة كليسيفر، ندرك لاحقا أن تلك النار مرتبطة بحياة هاول وبقاء تلك القلعة هائمة..

إلى هنا وتبدوا حكاية الفلم عادية ولكن أصلا مالحكاية..؟

لماذا حصد هذا الفلم كل هذه الجوائز..؟ هل هو حقا فلم لعنات وحروب وحب.. وسلام كما يبدو أم ماذا؟؟.

للإجابة على ذلك السؤال تناولنا – خلال لقاء التحاور في الفلم في نادي الكتاب سجال– مخا اعتبرناه من الشخصيات المهمة في الفلم… وجعلنا نحللها كلا منا وفق زاويتها التي نظرت إلى الشخصية من خلالها.. فوجدنا الآتي

هاول كان طفلا في ثوب رجل.. طفلا يملك قوة ..ويخاف مواجهة سلطة.. ويهيم هاربا في ارجاء الاض عوضا عن اتخاذ قرار واضح وصريح خرجه من فوضى عالمه.. لكن قد يكلفه ذلك القرار قواه السحرية.. والطفل الكامن في هاول محتاج الى بوصلة تعتقه من هروبه المنعكس في اتخاذ تمائم الحماية -التي دجج هاول بها غرفته- شكل العاب الأطفال وألوانها!!.. كان في حاجة إلى هدف حقيقي… لسبب يعيش من أجله وباختياره.. هدف يصلح الخراب الذي تكدس في نفسه.. كتكدس الفوضى والغبار في كقلعته التي يسكن..!!

وعلى الرغم من امتلاك هاول لكل شيء إلا أنه حقيقة لم يملك أي شيء .. لم يملك حتى ذاته ولم يعرفها إلا على يد صوفي .. صوفي التي لم تكره ساحرة الخراب على الرغم مما فعلته بها.. ولم تكره كاليسيفر على الرغم من وقاحته وصلافته.. بل اعتنت بهما.. ولم تكره أمها المتخلية عن كل شيء الغارقة في عالم الجمال والأزواج.. ولم تكره اختها التي تفوقها جمالا وتحلق حولها كل العيون .. بل احبتهم وانقذت البعض منهم بحب رغم ما نالت منهم..!!

والحكاية يا سادة هي أن القلعة كانت تجسيدا لروح هاول الضائعة الخربة، فلما لمست تلك الروح من أجاد احتوائها زهت ألوانها وأزهرت واخضرت أركانها وحلقت بعد أن كانت تتضعضع سائرة على الأرض، وكالسيفر كان قلب هاول الذي لم يجد بالغا محبا يعتني به ويهذب بحب اخلاقة..فأصبح ساخطا كالأطفال متذمرا مغيبا عن حقيقته.. قوته وقدراته.. .. وساحرة الخراب كانت -حتى آخر لحظة- تجسيدا لما يفعله حرص الإنسان منا على نيل مأربه الفاني (الجمال، الشباب) حد الأنانية واتقاد الحققد في القلب والروح .. اتقادا لم يزل يقوى على تطهير قلب ساحرة الخراب منه أرذل العمر الذي انتهت إليه..

صوفي كانت تجسيدا لروعة الإنسان حين يكون حقا إنسانا.. أينما تضعه يزهر.. ثم يثمر حبا واحتواءا وفهما .. فتلك قوته الحقيقة.. قوة تفوق كيد السحرة وتتحطم أمامها أعتى اللعنات، فقط لأنه إنسان.. وهنا تكمن قوتنا الحقيقة.. أن نعتنق الإنسانية ونجسدها في كل أركان حياتنا واتجاهاتها.

وتجلى أثر صوفي الإنساني في حفاظها عل إرث ابيها متجر القبعات.. وفي قلعة هاول التي تبدلت ألوانها وأينعت شجيرات وزهورا وباتت تحلق بشراعين بعد التخبط والقعقة ونفث الدخان… صوفي الإنسانة البسيطة العادية التي قد لا يلاحظ وجودها عابر ما.. فهي ليست محطة عبور .. بل مرسى..

وإن وضعنا شخصيتي الفلم الرئيسيتين (هاول وصوفي) معا فسيبدوان نقيضين ..لكنهما يملكان قوة عظيمة، أحدها ظاهر للعيان كهاول ووسامته وسحره وقلعته المتحركة وخضوع كاليسيفر له، والآخر خفي كحلاوة قلب صوفي .. وأصالة روحها.. ولا يدرك ذلك سوى الراسون على شواطئ صوفي لا المبحرين في عوالمهم..

ولاحظنا أنهما (هاول وصوفي) حين سكنا معا.. سخر كلا منهما قواه لخدمة كل شيء من حوله .. فهذه طبيعتهما … لكن حين دق قلب كل منهما للآخر من فرط جمال موقف كلا منهما من مجريات حياة الآخر ومعاناته.. تلاحمت قواهما فأُنقذ الجميع.. جميع ساكني القلعة.. وحتة البلاد.. وتوقفت الحرب.. وتبدل كل شيء في عالمهما (القلعة.. متجر القبعات) وحتى في مظهريهما الخارجي ..

فلنتخيل معا .. ماذا لو فعل كل إنسان منا ذلك لأي إنسان آخر جمعته به علاقة ما.. أمومة.. زواج .. أخوة.. صداقة.. أبوة…؟ لو سخر قواه من اجل الطرف الآخر في العلاقة لا عليه..!!

ووجدنا أيضا، أن لكل الشخصيات في الفلم مساحته الخاصة في بطولته.. ككلب سوليمان الجاسوس.. وكتلة الكائنات اللزجة التي كانت تلاحق هاول و سوليمان ساحرة البلاط..

وإن توقفنا عند مشاهد الفلم .. تسلسلها .. زواياها.. لغمرنا جمال الألوان فيها والتفاصيل الدقيقة والتحريك المتقن للرسومات بالدهشة والاعجاب..وكلنا رجاء في أن من ترجمه الحوار قد استخدم من اللغة العربية أجمل ما يمكن أن يترجم به المعانى اليابانية.. فالفلم فلسفة حياة بل إنه حياة موازية لكل منا جزء منها أو فيها.. وسنأسف جدا إن خذلتنا الترجمة على الرغم من كل هذا الجمال

والحديث عن هذا الفلم وروائعه يطول.. لكننا نكتفي بهذا القدر منه.. راجين ان تستمتعوا كما استمتعنا بمشاهدته من زواياكم الثرية الخاصة.. ثم تكرمونا بنقل ما شاهدتم في هذا الفلم إلينا هنا في التعليقات فضلا لا أمرا.. حلوه ومره..

و آخر البوح.. نرفع القبعات ونصفق طويلا.. لكل جهد -مهما كان مقداره- أسهم في انشاء هذا الفلم ووصوله إلينا… ونرفع القبعات ونصفق أيضا لريم العامرية التي اختارته ليكون رشفة منتصف شهر الحب والميلاد فبراير الماضي..

6 رأي حول “هاول وساحرة الخراب وصوفي

اضافة لك

  1. أول مرة أقرأ مراجعة باللغة العربية لهذا الفيلم الجميل .. تجربة مشاهدة الفيلم تختلف عن تجارب مشاهدة أفلام ديزني الشهيرة .. الفيلم يتطرق لمواضيع كالحرب والسلام والجمال والقبح والشباب والكبر مع جرعات جميلة من الخيال والسحر .. رحلة جميلة استمتعنا فيها بشخصيات إستثنائية ومغامرات شيقة .. سلمت يداك على المراجعة والشرح الجميل.

    Liked by 1 person

  2. وصف جميل، يجعل حتى من لم يشاهد الفيلم يتخيله ويحس بمدى إنسانية صوفي، وحتى اختيار اسم صوفي كان مناسبا لشخصيتها حلو بسيطا سهل النطق، شكرا على وصفك المتقن، ودمت أمل سجال لمزيد من الرقي والترقي من خلال القراءة الهادفة

    Liked by 1 person

  3. وأنت جزء لا يتجزء من هذا الجمال .. حضوركم جمال.. تحاوركم جمال.. وفيض ما نتعلم منكم جمال.. وبمزيج من كل ذلك أمد فكري بالكلمات فأكتب.. شكرا من الروح..

    Liked by 1 person

  4. أعشق الخيال الياباني…..دائما يبد غامضا و غريبا ….و له معان كثيرة و مخفية…….

    أحببت مراجعتك بالعربية لهذا الفيلم…..لم أكن اظن أن احدا غير سجال سيناقشه بهذا الجمال الرائع

    إعجاب

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑