الفتى داني ورأسه..

قررنا أن نلتقي للتحاور في كتاب مارس كعادتنا في رمضان ولكن .. الجوع كافر والطعام لذيذ وكتاب مارس كان حنيذا وسويعات اللقاء في رمضان قليلة لا تكفينا لنتناول كتاب كهذا (كافكا على الشاطئ) في سويعات كتلك، لذا كانت الرشفة بفلم قصير هو أفضل خيار نتناوله مع الأطباق اللذيذة والأجواء الحبيبة والزمن القليل.

فتناولنا فلم قصيرا بعنوان الفتى داني، وهو فلم كرتوني اكتشفنا لاحقا أن له تاريخ ضارب في عمق الثقافة الاسكوتلندية، حيث تحمل قصيدة حميمة – عن الغربة والحنين والموت والأمل – نفس اسم الفلم، بل إن الفلم يبدأ باللحن الذي حول هذه القصيدة إلى أغنية و تحولت الأغنية بدورها إلى ما يكاد يكون نشيدا وطنيا غير رسمي للجاليات الاسكوتلندية المنتشرة في بقاع العالم الغربي- وهناك مشهد معين من الفلم تذاع مع مجرياته الأغنية بصوت نسائي..

ولكن جهلنا بتلك الحقيقة -بداية- جعل التحاور في الفلم أجمل.. فبذلك نطلق لمخيلاتنا العنان.. وهكذا نسجنا لهذا الفلم عوالم بعيدة كل البعد عن الوطنية والتاريخ العريق.. وانغمسنا في متعتنا العظيمة.. تحليل الشخصيات وسلوكها وتفاصيل كل العالم من حولها مشهدا مشهدا.. أجل..

وتكمن المتعة في أن التحاور في كل ما نقرأ أو نشاهد، ما هو إلا منفذ من خلاله نعبر من ما يجوس في أنفسنا وما يثقلها بطريقة مواربة مريحة.. ولكونه أيضا مساحة للبوح بما لا ينسط إليه في بيئتنا أحد.. فهنا -في لقاءات نادي الكتاب سجال– ينصت كلنا لكلنا.. ويتعلم كلنا من كلنا.. وكلنا يعرض شخصيته وسلوكه ومفاهيمه من خلال الرشفات والكتب إلى التحليل والتمحيص.. فمثلا في هذا اللقاء كانت علة الحديث الفتى داني ورأسه.. وحقيقته عتق للواعجنا نحن وتحسين لفهمنا ذواتنا.. والجميل أيضا أننا نفعل ذلك وهذه الذوات محمية الخصوصية و مشاعرنا محفوظة من الوجع !!

حسنا .. نعودة إلى الفتى داني وفلمه ..حيث شاهدنا مدينة رمادية الألوان.. سكانها يملأون المشهد و يسيرون في شوارعها بسلاسة ودعة وبازدحام وبلا تصادم أو علامات تدل على أنهم يضلون الطريق على الرغم من أن الجميع بلا رأس حتى الأطفال والحيوانت الأليفة..!! وبالرغم من غياب كل الحواس عدى اللمس فأن أحدهم سطى على بنك.. وآخر جلس على قارعة الطريق بالقرب من البنك معلقا لوحة تفيد بأنه أعمى وبيده عصى وبقربه قبعة..! وآخر قصد محلا لبيع الشعر المستعار!!

من هؤلاء إلى ما يرمزون.. كيف يديرون شؤونهم .. كيف يكون هذا الوحيد الأعمى وكل الناس بلا رأس.. عن أي عمى يتحدثون وما حاجة من لا رأس له لشعر مستعار؟

.. ثم يظهر الفتى داني الوحيد الذي لا يزال رأسه فوق كتفة لكن وجه الراس هذا حزين..! يرافق ظهور داني وسط الزحام حدوث اضطراب بسيطا بين الناس عديمي الرؤوس.. يتلفت الفتى داني يمنة ويسرى.. ثم يبدأ بالسير.. يلفت انتباهه حادث صدم باص لعامود كهرباء ثم يصتدم بعدها هو بفتاة بلا رأس أيضا (هل اصتدم بها عرضا؟ .. هذه الفتاة بعكس كل الناس كانت واقفة.. فهل كانت في انتظار داني..؟) ..فور التصادم ترفع الفتاة يدها تتلمس داني.. فيهرب منها..

لماذا مدت الفتاة يدها إلى رأس داني..؟؟ ولماذا هرب هو منها.. ولماذا كانت هي الوحيدة الواقفة في وضع انتظار؟ من هذه الفتاة بل ماهي..؟؟

بعد لقاء الصدفة بين داني وفتاته بدأ ناس تلك المدينة بضطربون بوضوح أكثر.. يتخبطون ببعضهم.. بالسيارات بالأعمدة بالأشياء، لكنهم ماضون في سعيهم بنشاط جيئة وذهابا.. بينما يتوارى داني فيما يشبه المستودع الكبير .. ينكب على صنع شيء ما من الخشب.. وبدأب.. ويراقب المدينة بين الحين والحين ليلا من شباك كبير يمتد على واجهة المستودع ذاك..

ما الذي يصنعة؟ .. وما صلته بتلك المدينة وناسها.. ما هي تلك المدينة وأين تقع.. ولمن يصنع هذا ؟

يعود الفتى داني في صباح اليوم التالي بلهفة لملاقاة الفتاة حاملا في يده باقةورد بيضاء جميلة.. الفتاة تقف وكأنها تنتظره في نفس المكان!! .. يعطيها الباقة يتأبط ذراعها. يذهبان بعيدا عن الناس.. في نفس لحظة ذهابهما ينتشر الناس يمينا وشمالا وشرقا وجنوبا و تخلو المدينة تماما من الناس..

لماذا..؟ ما علاقة داني وفتاته بهؤلاء الناس وسعيهم.. من هم هؤلاء .. ما هم ؟؟

يجلس داني الذي بدا وجهه أكثر سعادة واطمئنانا بقرب الفتاة في ركن بعيد هادئ خال من الناس.. تمد الفتاة مرة أخرى يدها بحثا عن وجهه (مالذي أدراها أن له رأسا؟؟).. ثم تفر كفرار الحمر المستنفرة من قصورة رامية باقة الورد على الأرض ما إن تدرك أن لداني رأسا!!.. فيغرق وجه داني في حزن سحيق..

ما مشكلة الفتاة مع رأس داني ..؟؟ لقد قبلها هو بلا رأس فلماذا تفر من رأسه..؟ إلى ما يرمز هذا الرأس.. من هؤلاء الناس ما هذه المدينة ..؟؟

يقطع الفتى داني رأسه.. تصدح أغنية الفتى داني في المشهد.. أجل.. قطع داني رأسه.. ما كان يبني في ذلك المستودع سوى مقصلة عملاقة!.. كان يأوي ليلا إلى المستودع ليستكمل صناعة المقصلة يوم إثر يوم وكأن ما سيفعله بها أمر مفروغ منه!! .. كان متأهبا!!.. وكأنه انتظر فقط قطع الشك باليقين لياخذ قراره!! .. الشك كان قبول الفتاة به ورأسه.. واليقين كان فرارها منه.. والقرار ..قطع رأسه!!

لماذا خرج داني إلى المدينة في الوقت الذي اقترب فيه من انهاء صنع المقصلة؟؟.. إلى ما ترمز هذه المقصلة.. ورأسه؟؟

.. قطع داني رأسه ثم خرج مباشرة باحثا عن فتاته.. فإذ بالضباب يغطي المدينة.. والناس مقطوعي الرؤوس فيها يمدون أيديهم يتلمسون الطريق أمامهم..كلهم بلا استثناء.. و يتساقطون فوق بعضهم.. و تدهسم السيارات.. كأن الكل فجأة أصابه العمى !!

كيف؟..وما هي علاقة بصيرتهم برأس داني؟ .. لماذا فقدوها حين فقد هو رأسه..؟؟ ما صلتهم به ماذا يشكلون بالنسبة له..؟ من هم .. ما هم.. الضباب الذي كسى المدينة ماهو؟

وفي طريق داني إلى الفتاة سقط متعثرا بالأعمى الذي دهسته سيارة بينما كان يسعى خلف عملة ذهبية سقطت من اللص الساطي على البنك.. وأخذ داني عصا الأعمى وتوكأ بها في سعيه حتى وصل لفتاته..كانت الفتاة وافقة في مكانها!! ..وكأنها في انتظاره -كالمرة الأولى التي التقت فيها بداني والثانية!!- صدمها مرة أخرى متعثرا فتلقفته.. وتحسست رأسها.. ثم احتضنته فرحا .. وكأنه حقق لها حلمها العتيق..! وطفقت تساعده على السير وترفعه كلما وقع ،فقطع داني لرأسه افقده توزنه وقواه.. فجعل يتخبط في سيره ويتعثر..

أي قوة هي تلك التي فقدها داني بقطع رأسه حقا؟؟ قوة ماذا؟ ما الذي قطعه حقا؟

وفي النهاية مضى الثنائي في مرح إلى الأمام (داني والفتاة وعصاه) بينما كانت الشمس تغرب وطائرة ركاب تتحطم على برج سكني في استحضار مطابق لأحداث 11/11 ..؟؟

ما الحكاية؟؟

داني برأس.. يقطع رأسه ليتم قبوله.. الناس في المدينة يتأثرون بكل ما يفعله داني وفتاته.. إلى ما يرمز هذا الراس..؟ أهو هوية داني..؟ شعوره؟ .. تميزه المرفوض في بيئته أو من نفسه؟.. أم ماذا؟.. ومن تلك الفتاة التي تنتظره؟..أهي تجسيد للسلام ..لسكينه للأمان.. لصواب القرار؟ .. أم هي رمز انتقال إلى حياة جديدة تبدأ بالتخلي عن قيمة كالرأس.. وتمر بصعوبة طفيفة كعمى البصيرة ثم تنتهي بفرحة سوداوية جسدتها رقصة شارلي شابلن في النهاية..!!

هل داني روح تائهة.. أم نفس سأمت من الوحدة فطمحت في القبول؟؟.. هل من الممكن أن يضحي الإنسان بتفرده من أجل شعوره بالسلام.. هل حقا شعر داني بالسلام حين تماهى مع نصفه الآخر (الفتاة) بالتخلص من كل حواسه (قطع راسه) إلا اللمس؟ لماذا لم يقطع يده.. لماذا لم سكون الناس في هذه المدينة بتر؟.. هل علينا أن نضحي حتى نُقبَل..؟؟ عمّ كان يبحث داني؟.. ولماذا اختا هذا العالم بالذات ليبحث فيه.. أم أنه لم يختار؟؟ هل هذا العالم انعكاس لمشاعره المتضاربة العمياء الرمادية.. ؟.. هل حدث له ما حدث ليواجه نفسه من الداخل وبالتالي ينقذها من الحزن والتيه..؟؟

أم أن الفلم لا يعدو كونه تجسيدا لمعاناة الشعب الإسكوتلندي في الماضي بطريقة معاصرة؟؟

كل ذلك ممكن!!

عشرات الاسئلة كهذه دارت في تحاورنا عن هذا الفلم يوم التقينا.. وعشرات الأجوبة وجدنا.. واستسغنا منها ما استسغنا.. فهل لا شاركتمونا البحث عن جواب لفهم داني ورأسه وفتاته والمدينة الرمادية..؟

إليكم رابط الفلم.. ومنكم ننتظر سؤالا عن ماهية داني أو إجابة عن تسائلاتنا عنه.

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑