لمسة الحب والحرب.. غانغوباي

غانغوباي.. إسم فلم هندي لمخرج عهد عنه اهتمامه بقضايا النساء.. يسليط الضوء على إنسانيتهن وقوتهن وبصمتهن في الأرض.. أرض يطيب لساكنيها طمس تلك البصمة ونزعها أينما وقعت وكيفما كانت وإن كان تلك البصمة طوق نجاة يغير مشهد الحياة في جزء من كوكب الأرض.. جزء يستنكر ساكنوه وجيرانهم وجوده بل.. يرجون زواله.. وما تنبع أمنياتهم بالزوال تلك إلا من جهلهم.. من جهل الإنسان بمعنى أن يكون حقيقة إنسانا.. ومعنى سواسية.. حقيقة سواسية..

ليأتي هذا الفلم طارقا على العديد من الأبواب المغلقة.. ونازعا لتلك الأغطية الثخينة العتيقة الطامسة للكثير من الجراح.. حتى بتنا لا نعلم من أين نبدأ الحديث عن محتواه.. فهل نبدأ أولا بالتتحدث عن التصوير وزواياه .. أم عن الألوان ونثرها عبر المشاهد وانتاقائها .. أم الموسيقى التصويرية التي أعانت الحوار والانفعالات علينا كمشاهدين حد الغرق.. أم نبدأ بالمشاهد التي تبدو مبروزة .. صورة متكاملة الأوصاف .. تسقي بصرك والفؤاد منك من كل شعور تردد في أركانها كأسا إثر كأس من فرط الجمال ..

أم نتحدث عن الأداء الذي لم تستأثر بالتفوق فيه بطلة الفلم وحدها.. وإنما بدى كل وجه مر ضمن إطار أي من المشهد أيضا بطلا… كانوا أبطالا.. في تقمصهم لأدوارهم.. أدائهم .. ذوبانهم التام في الشخصية التي يقدمونها حتى كدنا -كمشاهدين- نؤمن أنهم حقيقيون لا ممثلون للحقيقة فقط.. فعمَّ نتحدث..؟؟

فلنبدأ بالحكاية ..

ينقل إلينا الفلم وجع امرأة.. باسم الحب انتهكوا حلم حياتها.. وطوقوا رقبتها بسحره .. ثم جروها به إلى مجهول كجر قربان حي إلى مذبح.. وحين سقط قناع الحب وبرق الخبث فأدركت.. أريقت انسانيته على عتبات بيت دعارة تأمه امرأة مثلها.. بيت خبأ بين جدارنه العشرات من قصص أخرى تناولها الفلم أيضا .. وجاء ذاك التناول كضربات فرشاة رسام ماهر.. نشرت ألوانا لاسعة لسعت قلوبنا واهتبلت منها آهات وجع وغيظ .. قصص نسجت حبكاتها .. امرأة .. رجل .. عائلة … ومجتمع .. قصص اختلفت فيها الأسماء وتشابه كل شيء آخر…

وأما غانغوباي بطلة هذه القصة.. وبعظمة بأس امراة.. عاندت التيار.. ثم ناطحته.. فغيرت حياة ملايين النساء أمثالها ..من كن معها .. و من جئن من بعدها من أجيال.. امرأة على الرغم من الحطام الذي اكتضت به نفسها.. وروحها الخاوية من الحياة قاومت لتحيا هي و 4000 امرأة ويزيد حياة لا تخلوا من الكرامة..

امرأة باسم الحب جردوها من الحياة .. وبأسم الحب حاربت الحياة.. وحتى حين وجدت الحب لم تملك من الحياة كفاية حتى تستأثر به لنفسها وتعيشه.. بل عمدت إلى وأد برعمه في قلبها ثم أقامت على البقعة المدفونة لحبيبها أفشان عرسا يليق بمقام حبها له.. وبالعرس انقذت روحين.. روح تعلقت بمومس لا مستقبل لتعلقها.. وروح روشني ابنة مومس تحبسها أمها في قفص وقد خدرتها بالأفيون كل يوم.. خشية عليها من ذات المصير.

غانغوباي امرأة حولت الحب إلى قوة حقيقة غمرت بها كل من ساكني كاثيابور .. وفاض حتى لامس كل امرأة عرفت قصتها في الهند والعالم إلا قلب أمها.. أمها الكائن الذي نطقت غانغا بإسمه صارخة من روحها ..حين استنفذت كل أسماء الأحبة والحضور.. و أدركت أن لا أحد يسمع استغاثتها وقد أوصدوا عليها وحيدة باب في غرفة مظلمة في عالم مجهول.. فتحولت من غانغا إلى غانغوباي بعد أن استبيحت مهددةً بالموت جوعاً وضمئاً ورعبا..

تبا لعالم تقسو فيه النساء على النساء فوق قسوة العالم عليهن.. وتبا لعالم يكيل بمكيالين لا عدالة فيهما.. وكأن من خلق النساء سبحانه لم يخلقهن إلا لسوء يقترفنه أو يتربص بهن أينما كنَّ ومهما فعلن فانبرى جل رجال الأرض ليحموا الارض من سوء هذا المخلوق.. تباً

ولنخرج من عالم السوء الخانق هذا … ولندخل في عالم الأغاني .. لنقف عند أغنيتين بالذات.. الأولى استهل بها الفلم كأغنية احتقال بـ نافراتري.. حين كانت لا تزال غانغوباي غانغا.. ترفل بالحياة في عالمها الآمن.. البيت.. حيث تفجرت البهجة من روحها الغضة فغمرت ساحة الرقص وكل من فيها .. ثم وفي الربع الاخير من الفلم أعادت غانغو إحياء المناسبة ذاتها … الغناء ذاته.. الرتم ذاته.. الرقص ذاته وإنما اختلفت الكلمات وإيماءات جسد غانغوباي ووجهها.. كانت غانغوباي حبنها تملك كل شيء إلا البهجة العامرة التي غادرتها منذ وطئت كاثيابور.. فبدت في رقصها كجسد مذبوح ينازع ولكن لا ليخرج روح.. بل ليستعيدها…

مشهدين.. رقصتين.. تجعلتنا لسبب ما نتنقل بين مشاهدتهما.. لنعيد قراءة ملامح غانغوباي.. متأملين معاني الكلمات.. ومنسطين لقرع الطبول وجوقة الموسيقى.. وحركة الكامرات.. وكل جسد تواجد ضمن المشهد.. فشعرنا بكائن يقف بداخلك لا إراديا ويصفق لكل من ساهم في عرض هذا الجمال أمام أرواحنا..

الأغنية الثانية (ميري جان) جاءت في مشهد جمع الحبيبين غانغوباي و أفشان في سيارة تنساب في الطرقات في نهار يوم ما.. أجل صورت الأغنية في المقعد الخلفي للسيارة… جعلت غانغوباي تمازح أفشان مزاح حبيب لحبيب.. فأقبل عليها مشتعلا وتعارك معها فقاومته حتى صفعته.. فتوقف محتارا ثم ألقى ضهره على ظهر المقعد وستر بقميصه رأسه الذي تلاعبت به الحيرة فتأرجح يمنة ويسرة.. فإذ بغانغوباي تضع رأسها بروية على كتفه.. فارتبك.. فأحاط كتفيها بذراعه بحذر.. فابتعدت عن حضنه.. وكشفت عن وجهه بعصبة فأقبل.. .. فإذ بغانغوباي تمسك برسغ أفشان المسكون بخليط اللهفة والدهشة.. وترفعه إلى رأسها واضعة كفه عليه .. وجعلت تمسد بتلك الكف رأسها.. فرقَّ أفشان لها .. وران على ملامحه إشفاق عميق .. بينما غرقت ملامح غانغوباي بتعابير شتا.. اهتز لجمال أدائها قلوبنا.. ووصلت الرسالة..

المومس التي استباح كم ليس بهين من الرجال كل شبر في جسدها علمت رجلاً حبيباً الفرق بين لمسة الحب والحرب.. في مشهد خال من الحوار غني بلغة الجسد ولم تتجاوز مدته الثلاث دقائق… كان الصمت فيها أبلغ من أبلغ الكلمات..

الفلم جملة متعة تغذي كل شيء فيك ثم تسكن قلبك .. فلم يعرض قصة عن بغي في حي للبغاء ولم يعرض فيه أي مشهد جنسي صريح واحد بل جاءت المشاهد إيحائية لم تتجاوز الثلاثة ونقلت إلينا شعور القهر الرعب والألم والقوة .. الأمر الذي أشعرنا بالاحترام.. احترام المرأة واحترام المشاهد..

وآخر البوح..

الفلم ناضح بعرض حقيقة من حقائق الانسان.. حين يكون انسانا وحين يتخلى عن انسانية.. الفلم يعرض وجها من أوجه الدنيا ننكره .. فعرفناه فنضجت انسانيتنا واتسعت.. الفلم رسالة .. ندعوا الجميع لقراءتها لا مشاهدتها فقط..

ندعو كل من شاهده.. فضلا لا أمرا… لتدوين رأيه فيه هنا.. لنتحاور عنه معا.. لنتعلم ونُعلم.. لنصبح يوما إثير يوم.. معا إنسان أفضل..

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑