موسيقى.. كلما قرأت سطورا من رواية محسن الوكيلي أسير البرتغاليين تملأ الكون من حولي موسيقى ذات عذوبة.. فأمضي في القراءة طلبا للمزيد من العذوبة على الرغم من مشاهد النحر والذبح والطغيان والجنون الناضحة على صفحات الرواية.. أجل..تسكن العذوبة سطورها… سطور موسومة بالجمال..
تنقل إلينا الرواية حال المغرب العربي إبان تكالب ابتلاءات الجوع والحرب والطاعون على البلاد.. فالموت كان يباغت الناس من كل فج إلا فاس حيث مسكن غيثة.. مسكنن لم تكابد فيه سوى الوله والخوف والحزن على فراق الناجي.. زوحها الذي خرج يطلب الرزق، فاوقعه ماضيه في يد البرتغاليين أسيرا، فأمسى يذود عن رقبته بسرد حكايات كالريح لا تتوقف ولا تخلوا من إراقة الدم .. فهكذ أرادها بيدرو الضابط البرتغالي المسؤول عن كتيبة الإعدام.. أراد ثمنا للإبقاء على حياة الناجي.. والثمن كان حكايات صدقناها.. فالناس جوعى.. واستنكرناها رفعة بالإنسانية عن حضيضها..
من السطر الأول، تخرجنا الرواية من منطقة الراحة التي لسنا ندير حتى متى نتشبث حد النخاع بها.. فبهذا السطر تبدأ مأساة طفولة الناجي بذبح جميع أخوته على يد أبيه.. رحمة بهم كي لا يموتوا كما ماتت أمهم جوعا أو ربما.. كان هذا الأب (إبراهيم) يحمي نفسه من الموت بلحمهم.. وأي حضيض هو ذاك..!
و تتوالى الحكايات التي نسجت معفرة بالتاريخ.. يوم كانوا أبناء الأرض الواحدة ممن عزموا الاستئثار بالزعامة يأكلون بعضهم بعضا.. فانقسم الناس في أرضهم بين صامت ومحابي.. وكأن الغزو الأجنبي لم يكفيهم.. وكأن الموت جوعا لا يعنيهم.. وكأن الطاعون سحابة صيف .. ستمر..!!
حكايات تحيكها شخصيات لامستنا.. فهربنا راكبين مع صوفي– ساكنة الأرض ذات الكنيسة الواحدة والشجرة الواحدة – عربة البريد.. صوفي النحلة التي لا يكفيها بستان واحد ولا تحتويها أرض ولا تطويها سماء … ووقفنا بجانبها شهودا على حياة أزلية لا يؤثر فيها الزمان ولا تتغير فيها المواقف وأنما تختلف الأسماء والأمصار.. فصوفي الهاربة اضحت مهربا لكل رجال الأرض.. فقط مهرب.. وكل الهاربات عبر تاريختا يصبحن كذلك.. وكذلك كانت حيات صوفي.. فأي حضيض هذا..
وعطفنا- رغم كل القسوة التي توشح بها والكبر- على بيدرو.. الذي ماعاد يشبع جرحه إلا الدم.. ورأس أمه المحنط.. وقلوب الأسرى يطعمها لقطته.. وصوفي .. يكمل بوجودها لوحة الكمال التي يحيط بها نفسه .. منزله .. ونخيله وأزهاره.. وحمق يتشدق به هو و كل محتل.. فهو هنا ليحمي مجد دولته .. ليري أهل الأرض التي يحتل معنى التفوق .. لا بالورقة والقلم بل بالنار وحد السيف.. والمشانق.. وزهور الحديقة..
وعلى الرغم من الدم والخراب الذي تستعرضه الرواية إلا أن الحب كان فيها.. كالضباب.. يهيم بين فصولها بأوجه تعددت تعددا أفقد الحب لبه وترك منه صورا شائهة كتلك التي رأينا فيها غيثة وقد عزمت على ترك أطفالها – الذين لم يتجاوز أكبرهم السابعة من عمره- سعيا للبحث عن دفئ فراشها الناجي .. وقد كانت آمنة في بيتها تقتات من نعجاتها الثلاث ودجاجها ما يفيض عن حاجتها.. ولها جارة ترعاها رعاية أم لبنتها.. والدعوة هنا حب.
و رأينا رجلا شهما هين القلب لينه، دفعته شهامته لتلبيةوصية رسوله الى البرتغاليين شعيب بالزواج من امرأته وكفالة ولده وقد أسقط في يده .. فهجرته زوجه ام الغيث غضبا فانكسر.. ثم عادت إليه ببذرة حرام تربو في احشائها.. وهو اليائس من الولد… إجل.. فلا رجل أصيل رحيم كالعياط.. ولا هي في بواكير الشباب.. ولا حجة كالولد تبهجه فيعود إليها هي وحدها كما كانا.. والدعوة هنا حب..
ورأينا.. رجل يسكن إلى مومس .. يحلق في ربوع الارض بعيدا عنها.. ويحط في كل رحلة في حضن أنثى.. ثم يؤوب إليها..فلا هو تاب عنها أو قَبِلها.. ولا هي تركته ولا تركت مهنتها.. كالبشير وساره.. واحمد السبتي وشهرزاد.. والدعوة بين كلا منهما حب..
وأي حب هو هذا الذي جمع بين الزوج من هؤلاء…؟!
وتناثرت على فصول الرواية حكاية شتى تعكس تنوعا لوجه الإنسان المغربي البسيط في عالم أبعد يكون واقعه عن البساطة.. عالم أدخلنا الى جوف الإنسان حين بتغلغل فيه خوف ويهوي به إلى حضيض يهزم انسانيته ثم يسفك دمها قربانا للنصر.. والجوع خوف… والطاعون خوف.. والحرب خوف.. خوف برع محسن الوكيلي في تصويره فباتت أيضا له موسيقى.. لا تزال عذويتها ترفل في صدورنا..
هذا مما عليه وقفنا.. وفي الرواية المزيد…
ولمحسن الوكيلي مايسترو أسير البرتغاليين نصفق طويلا ونرفع القبعات..


أضف تعليق