رشفة منتصف سبتمبر2022

نرغب في معرفة الحياة وماهيتها، والمعنى الحقيقي للوجود. نريد أن نفك شفرة الأشياء والأحداث حولنا ونفهم طبيعة علاقتنا بها. نبحث دائماً عن الأسباب وراء أفكارنا، مشاعرنا، وردّات أفعالنا.

ولكن كيف لنا الحصول على تلك المعرفة والإجابات إذا كنا لا نصغي حقيقةً؟!

هل حقاً نحن لا نصغي؟!

إذا كان ذلك صحيحاً.. فما هو الإصغاء؟! وكيف يكون الإصغاء حقيقي؟! ولمن يجب علينا أن نصغي؟!

إن أولى خطوات ممارسة الإصغاء هي تعطيل وإيقاف عملية الارتجاع التي يقوم بها العقل لتغذية نفسه من مخزون المواقف والأحداث السابقة، حينها يتخلى العقل عن التفاعل آنياً ويحدث ما يسمى بالصمت.

لحظة الصمت تلك هي الحقل الذي يمكن للإصغاء أن ينشأ فيه ومن خلاله؛ حيث يقوم العقل فيه بإيجاد مساحة ما بين عملية الارتجاع وما يصغي إليه، وهذه المساحة الفارغة أو الفاصل ماهي إلا لحظة السكينة.

إن السكينة تمنحنا الرضا والقبول لما نصغي إليه وعدم مقارنته بما يتعارض مع مفهومنا، معتقداتنا، ومصالحنا.

كما أن الصمت يقف حائلاً بين العقل ورغبته في ايجاد الثغرات والزلات فيما نصغي إليه. هنا فقط يتواجد الفهم، الذي هو ليس بفهمٍ فكري إنما فهم مجرد، فهم من طبقة وعي غير ملوثة برواسب تجاربنا. وهو ما أُسميه بالوعي الأصيل.

إن الإصغاء فن لا يمكن تعلمه إلا ذاتياً من خلال استحضار الصمت في لحظة (( الآن )) وتكرار عيش هذه التجربة في كل لحظة من الزمن التسلسلي حتى نتمكن من التقاط المعنى الحقيقي وبشكل واضح لذلك الذي نحن في صدد سماعه.

كما يعطي هذا الإصغاء في (( الآن )) أصلاً لتجلٍ خارق وإدراك عفوي يُظهر وجودنا على شكله الحقيقي لا على الصور التي اعتدنا على فهمها من خلال رؤيتنا القاصرة.

إن الإدراك العفوي المجرد من حساب العقل وصياغة الأفكار، والخالي من الأحكام والتوقعات، والمتحرر من الماضي والمستقبل، هو نتيجة حتمية لعملية الإصغاء، بل لا يمكن للإدراك العفوي من التحقق إلا مع فعل الإصغاء ومن خلاله وفي لحظته. وهذا الإدراك العفوي الذي تنتج منه رؤية الحقيقة هو ما يجب أن يفعّل في حياتنا، وهو ما يجب على العقل أن يدركه من خلال الانتباه لما يحيط به.

حين يكون لدى العقل وعي لما في الداخل والخارج على حد سواء، وحين يرى الجمال والقبح على الدرجة نفسها من الوعي، وحين يصغي العقل لهمسات النفس ولوشوشات العقل ولرغبات القلب السرية ونوازع أو دوافع الفكر دون محاكمة وإنما مجرد اصغاء فقط وإدراك للموجود، هنا تحدث ثورة داخلية نفسية خارقة جراء رؤية الحقيقة المجردة، وحينها فقط يكون لهذه الرؤية أثرها على الخارج.

إن فن الإصغاء شيء صعب للغاية، لأننا مشروطون بقبول أو رفض ما نصغي إليه، أو إدانتة أو مقارنته بما نعرفه سابقاً. فقد يكاد لا يكون ثمة إصغاء إلا وهو مشروط، مثال على ذلك: “عندما أقول شيئاً ما، فإن رد فعلكم الطبيعي يكمن في قبولكم لما أقوله أو رفضكم له، فما يقال تعرفونه سابقاً، أو أنه يُعثر عليه بشكلٍ ما إما في كتاب أو أن شخصاً قد قاله سابقاً”. وبعبارة أخرى فإن عقلكم يجد نفسه مشغولاً بنشاطه في البحث عما يختزنه حول ما أقول، ولطالما أن هذا النشاط مستمر فلن يكون هناك إصغاء.

إذا كان الصمت هو الحقل الذي ينشأ فيه الإصغاء فإن الانتباه هو المجال المغناطيسي الذي يعمل بدوره على توليد الإصغاء وجذبه إلى حيّز التفعيل. ولكي نتوصل للإصغاء على هذا النحو، علينا أن نمتلك ليس فقط نوعية من الانتباه، وإنما أيضاً الرغبة الصادقة لفهم ذلك الذي يريد أن يقوله الآخر. حينها فقط يكون من شأن هذه العملية أن تُحدِّث الإدراك الحقيقي المجرد أو كما سميناه سابقاً الوعي الأصيل.

إن التواصل على مثل هذا المستوى العميق يكون ممكناً فقط إذا ما كان كلا الطرفين يهتمان بالمسألة نفسها ولديهم الرغبة الصادقة نفسها، وإلا فإن المقاومة تعيق هذا التواصل.

عندما نصغي للموسيقى التي نحبها، فنحن لا نقوم بذلك مع مقاومة، بل ندع أنفسنا ترحل معها، ونهز الرأس ونصفق، وإلى ما هنالك من أشكال للتعبير عن اعجابنا. اعجابنا هذا للموسيقى جعلنا ننساب معها دون مقاومة أو قيود، لذا ولتحقيق مثل هذا الانسياب في حياتنا نحن بحاجة إلى تعلم فن الصمت والانتباه لنستطيع أن نصغي.

لذلك أرجوكم، تعلموا فن الإصغاء لزوجتكم أو زوجكم، لأبنائكم، أصدقائكم، تعلموا الإصغاء للطيور، والأشجار، وللريح، ولقطرات المطر، بطريقة تصبحون فيها مرهفي الإحساس. وإذا أصغيتم على هذا النحو فسيمكن اتاحة نشوء معجزة. إذا أصغيتم على هذا النحو، فذلك سوف يشبه رمي البذور، وإذا كانت البذرة قوية، ونشيطة، وسوية، وكانت التربة مهيأة بشكل جيد حيث سقطت البذرة، فإنها سوف تنمو على نحو مبهر.

فاطمه كرم (بتصرف)..

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑