أبي الذي أكره.. الكتاب الذي قرأته سابقا بتوصية..! وتصفحته عقب ذلك رغبة مني في تذكر ما يمكن تذكره استعدادا لمتعة التحاور فيه مع نادي قراءة آخر.. و قراءته أخيرا.. سطرا سطرا حين اختير للقراء في نادي الكتاب سجال خلال أغسطس الماضي..
و وجدت بأن لكل قراءة من تلك القراءات حكاية لا تشبه أختها.. فالقراءة الأولى لا أتذكرها.. بالرغم من كل الخطوط التي مددتها أسفل كل تلك الجمل في الكتاب .. وبالرغم من كل تلك المربعات التي أحطت بها كل تلك الفقرات فيه.. وبالرغم من كل ما راكمت من كلمات بطول الحواشي..
والقراءة الثانية بالكاد استشعرتها.. أما الثالثة فخضتها وكأني أقرأ هذا الكتاب للمرة الأولى في حياتي.. وكأن شيء مني غزى ذاكرتي داحرا كل ذكرى من الكتاب أو له فيها.. وما كان ذلك الشيء – بعد تأملي لما جرى لي – سواي.. أنا..! أنا التي في زمن القراءة الأولى لم أملك النضج الكافي أو الوعي الكافي أو الشجاعة الكافية لتلقي سيل كهذا.. سيل من مطارق ومشارط وكلاليب.. وظننت أن حصوني التي شيدتها حول آلامي العتيقة عظيمة.. وتبينت أن الخوف من غزوها كان أعظم..
وكيف لا أخاف على نفسي.. ومن نفسي.. فأتحصن وقد وجدت في هذا الكتاب من العمق و القوة ما لا تصمد في وجه كلماته عظيم الحصون ولا الأسوار.. بل إن كلماته لم تعبأ بي وحصوني فانسابت -كطيف خفي- .. عبرها!.. منسكبة على تلك الجراح العتيقة.. تزيح عنها الركام اللعين وتطببها.. بل وتذرو كل ما أهلته أنا عليها بروية موجعة مريحة.. فوجدتني بعد انهيار الحصون أنصاع إلى التخلي بحذر عن بعض من سلاحي العتيد العتيق.. أردم وأهرب… وأتشبث ببقية منه بقدر ما بقي فيني خوفي..
أما اليوم وقد انتهيت من قراءته فإني .. لا زلت أنصت إلى تراخي السلاسل المحيطة بي.. واتجرع النور المنبثق من تلك البقعة الموحشة في داخلي.. وأردد على مسامع صدري.. تنفس.. صعب كان عبور كل تلك المعرفة عليك.. صعب حد شح الهواء… صعب حد التوقف عند جمل وفقرات بل وفصول بأكملها.. وتكرار قراءتها الثقيلة.. ومدهش تضعضع ثقله قراءة تلو أخرى..!
تضعضعا مكنني من العبور إلى آخر نقطة في الكتاب مجهدة.. فخرجت من لجته وسقطت على شاطئ الجملة الأخير خائرة القوى راضية النفس.. ورفعت عيني وإذ بلافتة منتصبة أمامي حفرت عليها كلمة واحدة.. (التعافي).. فأدركت أن سر نسياني للقراءة الاولى خوف أقعدني.. وعبوري السريع على السطور في قراءتي الثانية كان متلبسا بذات الخوف.. بينما.. بدت قراءتي الأخيرة… كنشوء لحكاية جديدة .. تنقش على الروح بماء الذهب..
فعدت إلى الصفحة الأولى من الكتاب وطفقت اقرأ من جديد.. فذهبت إلى القابعين في الزنازين.. وطفقت أشد على يد هذا وأربت على كتف ذاك.. وأسرد عليهم حكاية زنزانتي.. وحكاية العصفور في القفص.. واخبرهم بأنهم العصفور وأن القفص بلا أبواب بلا قضبان.. وأن كل ما عليهم فقط أن يفلتوا أصابعهم المتشبثة بالقضبان ويرفرفوا بأجنحتهم مهما آمنوا بوهنها.. والأمر خطير لكنه ليس بمقدار خطورة التقوقع في قفص بلا قضبان..
مضى على خميس اللقاء خميسين.. ولا زالت.. وأنا أكتب هذا.. وجوه السجاليات في يوم ذاك الخميس ترفرف وتحط أمامي.. فكيف تغيب عن الذاكرة وجوه سكنتها ظلمة ثم تقيأت ظلمتها تلك في كلمات موجوعة.. في تساؤلات جارحة.. في سرد قصص مرة.. في ضحكات شائكة.. في دموع حارقة ونحيب.. هذا حين زلفت من قاعة اللقاء.. وأما في حين الرحيل.. فقد علا وجوهنا سلام وطيف معارك تقترب..!
ومضى على اللقاء ما مضى ولا تزال رسائل السجاليات حول أثر هذا الكتاب وفيض تلك الأنفس – التي نكتت مشارط الكتاب ودكت مطارقه حصونهن العظيمة والأسوار – تأتيني محملة بعبق الجروح العتيقة.. بالتساؤلات وببشائر الخطوات الأولى باتجاه لافتة (التعافي) المنتصبة على شاطئ الجملة الأخيرة..


لا يمكنني تخيل ما كنت سأقوله هناك……و لكن يبدو أن لذلك الكتاب أثره العظيم علي ….و على كثير منا…….
يبدو لي حقيقيا حد البكاء
إعجابإعجاب
بما انه وصل الى حد البكاء فعلمي انه حقيقي.. الحقيقة موجعة.. واجمل ما في وجعها ان ذاك الالم الذي تؤججه فينا يوقضنا من سباتنا العتيق .. فنصح ان اقتنصنا الفرصة اجمل مما كنا
إعجابإعجاب