
كلنا نعلم سر الضجة التي أثيرت حول رواية محمد النعاس الأولى وليدة الحجر المنزلي في عهد كرونا (خبز على طاولة الخال ميلاد)… ضجة أثارها على الساحات الأدبية حصد الرواية لجائزة البوكر العربي للعام 2022… لكن ضجة بعيدة عن الكاميرات وأضوائها أثيرت في بلاط نادي الكتاب سجال يوم التقينا للتحاور في رواية الخال ميلاد وخبزه.. بل تجلي يومها سر آخر من أسرارها.. السر كان شخصية (ميلاد) و ارتباطها بإثارة ما خفي في نفوس البعض منا وايقاظه من سباته حتى نضح الوجع من المحاجر وتجسدت أماراته…
ففينا من كاد يستشيط دفاعا عن (ميلاد)… عن تركيبة شخصيته.. وغوغاء مشاعره.. إلى حد تبرير كل سلوك غريب سلكه حتى آخر سطر في الرواية.. وتطور الأمر إلى استماته في الذود عنه حد دحض أي رأي مغاير يدين تلك الشخصية أو يشير إليها بسبابة على الرغم من ما أظهره التحاور في تلك الشخصية من دلالات تشير إلى عمق معاركها النفسية مع نفسها ومع الناس في محيطها وخاصة النساء..!
وبدى في تحاورنا .. و من شدة ما كان فيه.. أن ميلاد خرج من بين سطور الرواية ..وجلس في خرس على الأرض في ركن من مجلسنا نحن المتحاورون في حكايته. وطفق بنظر إلى المستميتات منا نظرة رجاء واستغاثة.!!
ولكن.. حقيقة… ما كان يجلس في ذلك الركن لم يكن ميلاد.. بل كان نحن.. قصتنا في الحياة.. واحدة تلو الأخرى.. قصة الخوف.. والضعف.. والناس.. وما كانت شخصية ميلاد إلاوعاء دلقنا فيه كل ذلك الركام فلا ينضح منا أو يغرقنا… وانطلقنا بلا خوف نتحدث عنا عبره وبإسمه.. وما اسهل ذاك حين كان هو.. وما أصعب أن يكون ذلك نحن..
صعب أن نكشف من أنفسنا وأمام الملأ ما حوت تلك الأنفس من قصص وإن تشابهت في تكوينها مع شخصية في رواية..! فمنذ زمن نراه سحيقا -رمينا تلك القصص ونتاجها في هاوية الذاكرة.. وقررنا ردم الهاوية بأثقل ما لدينا من نجاحات وإنجازات ومازلنا حتى لقاء يومنا ذاك.. وما أصعب هذا..
..كاد التحاور في ميلاد أن يثير الجدال لو لا ألقي وسط صخبنا سؤال.. بسيط.. ” من هو ميلاد بالنسبة لك؟”… فإذ بميلاد القابع في الركن يحدق في السائل والمسؤول بجزع…بينما استسلم كل شيء فينا للسكون حالا..واحتقنت وجوه.. وترقرق دمع عتيق في مآقي اللوات كن يستمتن في الدفاع عن ميلاد.. حتى زعزت إحدانا السكون بكلمة (أنا).. ميلاد أنا..
فهدأ كل شيء .. فنهض (ميلاد) من ركنه.. طوى ترجيه ودموعه وزحف عائدا إلى السطور.. وأينعت في أركان اللقاء الحكايات الشجاعة وفاح عبيرها… وتحررت الأنفس بها من بضع أوجاعها…
وما عدى ( ميلاد ) وما فعله بنا…فإنا لم نجد في الرواية وقع ذلك الجمال الذي يحول الرواية إلى مقطوعة لا تتوقف فيها الموسيقى إلا حين نتوقف عن قراءتها رغم ما يحمله النص من حقائق ووجع.. ناهيك عن تعثر القارئ منا بالكلمات النابية التي تجرح العين وتشوش الحواس وقد انتشرت بطول النص وعرضه…
لم نجد قضية جديدة أو غريبة كما ردد القائمون على “البوكر”… ولم نفهم علاقة الخبز بالمرأة بالشخصية بالمجتمع.. و رجونا بيننا وبين أنفسنا لو أن النعاس تمهل.. وسمح للرواية أن “تستريح” بعد كتابتها.. وأعاد قراءتها مرة واثنتان وثلاث ثم نشر..
لكننا وعلى الرغم من كل شيء … سنرفع القبعة “لميلاد” بطل الرواية.. الذي كان وسيلة في ليلة اللقاء تلك لتحرر من وجع عتيق بث في أرواحنا مزيدا من السلام..
واطلعنا عن بعض أسرار صناعة الخبز وخفاياها..
وآخر البوح…
إلى السادة القائمين على البوكر.. رفقا بالقراء!
وإلى كل السجاليات اللواتي فاضت شجونهن على طاولة سجال في يوم اللقاء هذا .. شكرا من الروح.

كل هذا هو ميلاد ؟ لم أتوقع و تمنيت أنني كنت هناك أيضا لأعيش تلك المشاعر عن شخصيته و ما ظننته و ما كان سيتغير……
أشعر أن الرواية كانت من المفترض أن تمر علينا قبل البوكر ههههههههه
إعجابإعجاب
اتفق
إعجابإعجاب