يوكو والذاكرة وشرطتها

نجحت يوكو أوغاوا في أن تحملنا عبر حكاية جزيرة ما في بقعة ما من العالم تشبه أي بعقة في العالم باستثناء الاختفاءات والذاكرة المحمية بالقانون في هيئة شرطة تسهر على تطبيق الاختفاء وتحرص على أن لا يبقى بين ساكني المدينة من لا يزال يتذكر ذاك الذي يختفي.. اختفاء يشعل في قلوب سكان الجزيرة وجع لا يهدأ إلا بالتخلص من ذاك المختفي وإن كان اختفاءه حسيا كاختفاء اطرف الجسد والتي لم تكن مختفية بقدر ما حولتها قناعة صاحبها باختفائها إلى لا شيء.. إلى مجرد امتداد ثقيل غريب في أعلا جذوعهم البشرية أو في نهاياتها..

رواية كتبت بنكهة يابانية بجدارة.. تلك النكهة التي لا حدود تضيق مخيلتها حابسة صاحبها في أطر صلبة لا يقدر أن يحيد عن أسوارها حتى يتلاشى في تكرار عقيم أو يغامر بروحة.. نكهة منذ تذوقانها على يد هاروكي موراكامي في رواية كافكا على الشاطئ ونحن لا نزال تحت تأثير سحرها.. ذاك السحر الذي حررنا.. وشرع الأبواب لمخيلتنا لتقبل كل هذا الجنون في ملتها.. وتحبه.. وتجهد في التفكر فيه وتحليله..

رواية لم نستطع حصرها في إطار معين.. وتركتنا كنهايتيها المفتوحتان مليئين بالتساؤلات..

فإلى ما يرمز هذا الاختفاء وشرطته.. إلى الذكريات والعقل.. أم إلى شعور الإنسان وعاطفته.. أو إلى عظمة هذا المخلوق ونجاحه عبر الزمن في التلاعب على كل المصائب والصعاب وتجاوزها والاستمرار في الحياة.. أهي دعوة للتحرر.. التحرر من ما.. ماذا لو أرادت الكاتبة أن تلفتنا إلى أهمية سلامة واستمرارية عمل ما نستصغر من عجائب خلق الله فينا من قدرات كالشم والفهم كالحب.. وأهمية استشعارنا لكل الجمال في الأرض التي تختنق تحت وطئه تلويثنا لها  كالتمتع بالزهور

والطيور والثمار.. ماذا لو كان جوهر الرواية يدور حول الحب وألوانه والإنسان ووجوده.. والمعاملة وأثرها في استمرار الإنسان على قيد الحياة أو تلاشيه.. ؟؟ وهذا حالنا منذ قرأنا الرواية .. ندور في فلك لذيذ من التساؤلات والتأويل..

وهكذا.. قرانا الرواية وانتهينا منها لكنها لم تنتهي منا.. فلقد خرجنا من بين سطورها محملين بالدهشة رغم الغرابة.. وبالسعادة رغم ثقل التساؤلات.. وبنية  الاستزادة من هذه النكهة ما استطعنا.. وعزم على إعادة قراءتها مرة أخرى.. فلا تزال كثير من الأسرار اللذيذة مندسة بين أعطاف الفصول منها وبين السطور..

نرفع القبعة ونصفق طويلا للأستاذ محمد آيت حنا.. ثم نرفعها مرة أخرى ونصفق ليوكو أوغاوا..

وآخر البوح .. ننصح بقراءتها.. وبالسماح لسحرها أن يشرع أبواب الخيال في عامنا نحن .. معشر القراء..

رأيان حول “يوكو والذاكرة وشرطتها

اضافة لك

  1. لقد جعلتني اتساءل عن ما يدور حقا في هذه الرواية……و دائما كما عهدتهم…اليابان تمتلك قوة خيالية عجيبة…..و هي ما اراه بقوة في هذه الرواية…..تتحدث عن الواقع برمزية بحتة……

    ذكاء رائع و مثير للإعجاب

    إعجاب

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑