وطفقنا منذ السطر الأول للرواية نجري خلف الكلمات.. ونقف في ظل الشخصيات وعلى زوايا مشاهدها..حيث تتبعنا خطا فضيلة بنت بطي وتوسلنا إليها أن ترحم ابنها فرحان بن غصيب ود السيح الذي يسير خلفها على حصى الوادي عاري من كل شيء إلا دموعه ومخاطه… وصفقنا لماه حليمة وقد ألقمته ثديها مرة إثر مرة.. وفرحنا حين قررت ماه زليخة أن تسمي فرحان دلشاد تخليدا لكركرته الأولى بعد الشبع الأول.. وبكينا على قسوة الأمهات.. وتلك الغلظة التي غلفت قلب فضيلة حد أنها كانت تدفع الموت دفعا إلى روح ابنها، فماتت هي وبقي هو يبكي لا يدري على ما..
وهكذا من السطر الأول في الرواية إلى سطر الوعد بالجزء الثاني منها، برعت بشرى خلفان في فعل ذلك بنا ونحن نلاحق الكلمات في دلشادها.. فلقد أحكمت بشرى حبك الرواية حتى تخللت أرواحنا وقد اعتنقت في سردها حكمة جلال الدين الرومي التي يقول فيها ” الحقيقة كانت مرآة في يد الله.. وقعت وتشظت، كل فرد أخذ قطعة منها، نظر إليها، وخال أنه يملكها كاملة”
وبشرى وضعت من الحقيقة في يد كل من الشخصيات التي تتواجد في الحدث الواحد شظية.. وأجلسته أمامنا.. وتركته يسرد حكايته عن كل ما رأى.. يعرض شظيته منها.. وتركت لنا حرية التفاعل التام مع كل الشظايا..
فها نحن ننصت في فصل ما إلى دلشاد وهو يسرد حكاية جنازة نورجهان ..ثم تتبدل الحقيقة ذاتها حين يسردها عيسى عبدالرسول.. و تبوح مريم بنت دلشاد بحكاية زواجها من عبداللطيف لوماه.. ثم يأتي عبداللطيف لوماه فيسرد لنا حقيقة أخرى لذات الحكاية.. ويرثي ناصر بن صالح نفسه والعالم حينما يخبرنا عن موت ابيه وعبداللطيف لوماه.. ثم تضع فريدة بنت عبداللطيف لوماه حزن العالم في صدورنا حين تسرد حقيقة موت أبيها.. وتضحكنا من شدة الغرابة والجمال مريم بنت دلشاد ونحن نكاد نسمع قهقهتها وهي تخبرنا كيف ولدت فريدة.. ويترقرق في انفسنا تعاطف حذر حين تسرد فردوس بنت لوماه ذات الحقيقة..
وهكذا وضعت بشرى الحقائق بين أيدينا فاستمتعنا بتكوين أجزائنا الخاصة من الحقيقة.. بتكوين حكاياتنا الخاصة عن تلك الحكايات.. وبسرد حكاياتنا عنها أيضا.. فأصبحنا جزء من تلك الحقائق وجزء من الرواية.. وهذا لعمري ثروة للقارئ..
وظننا ونحن نشرع في قراءة الرواية بأنها رواية تاريخ.. وأن ذاك التاريخ كان موسوما بالجوع للقم.. وتبين لنا وقد قرأناها مرة أخرى وتحاورنا فيها، أن الجوع في الرواية ليس جوع للقمة فقط.. وإنما هو جوع إنسان بكل مكوناته.. البطن والنفس والروح والعقل.. واشياء أخر… فاللقمة كانت البطن.. والحب..السكينة..السكن والعقل كانا جوع الجسد.. وأما جوع النفس فقد تعددت أوجهه واتحدت في انطلاقها من الجوع للفهم..
وآمنا بأن الرواية في الأصل امرأة.. وللمرأة.. وعن المرأة، فلمسنا وجودها في الرواية كمفقودة وفاقدة.. ومعشوقة وعاشقة.. ومرسى.. وركيزة وركن قوي متين.. وألم.. ويكاد كل من كان في الرواية قد فقد امرأة في حياته، فتجلى عطب الفقد فيها.. والفقد كان ذو ألوان شتى.. فدلشاد فقد حضور المرأة كأم في طفولته.. ثم فقدها طواعية حين باغته الخوف في ثوب رمد أعماه فسلم البضع من كبده مريم إلى بيت أحمد لوماه … وعبداللطيف لوماه فقد المرأة قدرا حين غيب الموت أمه في طفولته ثم فقد سنده في وحشة الطفولة بلا أم “شمس” قهرا… وماه مويزي حين نزعوها من حضن أمها طفلة و باعوها لبيت لوماه.. وناصر بن صالح الذي حرمه خضوع أبيه وجبروت جدته لأبيه من معرفة حتى اسم أمه.. وحسن الذي خطفه العار من حضن أمه يوم ولادته وألقاه خلف خيمة فاطمة لولاه,, وما خلصه من العار إلا قدر فيه لبن كال لإمرأة.. ناهيك عن تلك الانامل الخفية لامرأة شجاعة.. سندت بحكمتها كل أنثى عبرت في حياتها وقد أثقلها وجع قلة الحيلة وبوائقها.. ماه مويزي
وما أجمل العشق الذي سكبته بشرى خلفان بين حكايات الوجع والحرمان، فتخففت به الرواية من ثقلهما حين أطلقت لسان باه سنجور بحكاياته الشعبية، كقصة شاه مريد وحبيبته هاني– ثم انسكب دفئ تلك الحكايات بين خيام ولجات وعبر أسوار مسقط وبيوتها وشواطئ مطرح وأسواقها والتف حول نورجهان.. ومريم دلشاد.. ولم ينجو من حُمَّاه حتى فؤاد فريدة الغض الذي نتوقع اكتمال قصة عشقه في الجزء الثاني المرتقب من الرواية..
ولكن.. حكايات العشق تلك لم تكلل كلها بالسعادة وإن كانت كل سعادات العشاق في الرواية وقتية.. ففاطمة لولاه -التي عض عشق مراد داهوك القوي الجميل قلبها فتزوجته- قد ولغ الناس في قصة عشقها حتى ألقى الغضب بمراد داهوك بين قناني العطر في سُكْر.. وأهال البرد على فراش فاطمة لولاه إلى الأبد..
وآخر البوح..
دلشاد رواية كتبت بحب.. والحب الجميل يثري و لا يمل.. رواية عن الإنسان.. عن الائك المتواجدين في كل زوايا الزمان وهوامش المكان.. لكن حضورهم هنا في هذه الرواية عميق.. يتجاوز الجسد المنهك والعيون الشاخصة والبطون الملتصقة بالظهور إلى الأنفس وشجونها .. والأمنيات وغوغائها.. والأرواح..
وختاما..
لبشرى خلفان .. نصفق طويلا ونرفع القبعات..


دلشاد،رواية اظهرت لنا أن الجوع ليس فقط جوع البطن؛ بل ايضا جوع المشاعر الانسانية، تمكنت الكاتبة بشرى من سرد روايتها بأسلوب جميل رغم انني لم أحبذ كثيرا نقل نفس الاحداث عن طريق وجهة نظر كل شخصية، لكن الرواية في العموم جميلة وفيها حبكة روائية تحفزك على مواصلة القراءة ،ما أثار إعجابي حقا، هو مدى رقي وصف الكاتبة للحظات الطبيعية بين الرجل والمرأة، فهي طبقت جملة شرح الواضحات من المفضحات، فأشكرها على هذا ،لأنها احترمتنا كقراء عرب وخاطبت قلوبنا ولم تستغل روايتها لإثارة الغرائز والتسويق للعلاقة بين الرجل والمرأة لجلب القراء، فهذا الاحترام والذكاء في التعامل مع القارئ العربي يحسب لها، فهي فرضت شخصيتها من خلال الرواية كامرأة حرة تعرف متى تفصح ومتى تصمت، شكرا لسجال الذي منحنا فرصة مناقشة هذه الرواية والتعرف على قسم من الخليج العربي من خلال أسمائه وعاداته وأطباقه.
إعجابLiked by 1 person
جميل .. وعبارة شرح الواضحات من المفضحات لفتت انتباهي وبشدة.. ونعم هي احترمت ذلك.. واجل الرواية جملة شعورية تلامس العمق فينا رغم كل البساطة التي كتبت بها.. بل ان بساطتها هي قوتها ويكمن جمالها في هذه القوة..
شكرا على جميل مروركم..
إعجابإعجاب