ذات مسرة..

يحكى أنا في يوم سبت عقدنا العزم على أن تكون مدينة العين شاهدة بخضرتها وجبالها و زقزقة عصافيرها ولسع شمسها على سويعات مسرة.. واتفقنا على اللقاء في بني ياس، في تمام السابعة التي تمطت حتى بلغت التاسعة.. وقضينا فترة التمطي تلك في احتساء قهوة مروة طه وتبادل الكثير من الحكايات عنا وعنهم..

وحين اكتمل نصابنا..توجهنا إلى دار الزين مدينة العين.. على أن نلتقي في مقهى نتناول فيه طعام الفطور وكتاب شهر الحب والميلاد رواية الشاعر بترجمة مصطفى لطفي المنفلوطي.. والتقينا وتبين أن لا أحد سواي قرأ الكتاب.. ولا أحد سواي رغب في التحاور فيه.. فقلبنا آية الحوار إلى رشفة تناولنا فيها جرعتين.. إحداهما كان سؤال بسيط خبأ تحت ملاطه قصة من قسس الإنسان حين ينسلخ من الإنسانية.. أما الرشفة الثانية فكانت تمرين من حلقات ثلاث أيقظتنا بحنية حادة..!

وعرجنا من بعد الحدة على كارفورهم .. وجعلنا نجري بين ممراته.. نقتنص من رفوفه الخبز والفاكهة والصلصات واخواتهم.. كنا نجري هنا وهناك.. ونتواصل بين حين وآخر.. ونفكر في بعضنا.. وتنتظر إحدانا الأخرى.. وما إن انهينا جولتنا الكارفورية حتى تقاطرنا إلى حيث انتظرتنا زهرتين عيناويتين بذلتا مشكورات كل ما في وسعهما ليكون مكان “مسرة” لنا .. وحدنا.. وما إن توقفت سياراتنا حتى أقبل العاملون في المكان يمدون إلينا سواعدهم وينقلون معنا الطاولات والكراسي والعربات واكياس مليئة بالحب..

وطفقنا نقطف الفرح من ضحكاتنا وهواء العين وزقزقة طيورها وحفيف اشجارها و جبالها الحارسة وهم يشهدون علينا ويشاهدونا… وما اكتفينا حتى صدحت الأغاني التي كانت كقطع الحلوى الملونة.. ملونة.. فراقصت أقدامنا العشب الريان البارد.. ورفرفت ضحكاتنا تراقص التغاريد والحفيف وتتعلق بأذيال الشمس المنحدرة غربا ثم تحط على صدور الجبال الحارسة..

و بدأت حفلة الشواء.. أوقدت فاطمة كرم النار إثر النار إثر النار.. وتسلحت وأفراح بالقفازات وشمرنا عن سواعدنا وخضنا مباراة شيقة الوطيس في شك اللحم والدجاج في مشاكيك الخشب..بينما كانت نسرين على يميننا تعزف لحن اللذة بالوريقات الخضراء والفاكهة الحمراء والمكسرات والصلصات والزيوت.. وتضمخ الهواء بموسيقى الشي وعبقه وجهد المايسترو فاطمة كرم..

وأعدت مائدة العشاء.. وأكلنا حتى لم ندري .. أمن لذة الطعم كنا نأكل أم من لذة الأحاديث ذات القهقهة.. أم من نشوة الزهو بأنا نأكل من ما عملته أيدينا.. وما كدنا ننهي تناول العشاء حتى استحضرنا صفحة من الزمن العتيق بلعبة.. لله در ذاك الزمان يوم كنا في يوم من الأيام أطفالا.. نتراكض إلى الساحات المتربة المعطرة بضحكاتنا ودبيبنا.. وتعثرنا.. وصراخنا ومعاركنا الصغيرة كل عصر يوم من ذاك الزمن حتى تعلن السماء الملطخة بالشفق موعد الأوبة فنترامى على تلك الأرض المعطرة نعب من عبقها ونجر أقدامنا المخضبة بالتراب وقد اكتظ الهواء حولنا باحاديث الشوق للقاء غدا والتذمر من سرعة تلطخ السماء غربا بالشفق..

لعبنا لعبة (مركب الطيار) فتفجرت ذات الضحكات.. والصرخات.. والعبارات التي كانت تتفجر في ذلك الزمن العتيق.. ولولا اللهاث لما اكتفينا حتى تأوب الشمس إلى الأفق شرقا..ثم ترامينا على سجادة حمراء مربعة.. وكراسي أرضية.. وفي الهواء حولنا تتزاحم أنقاس لا تزال تأمل من طرف خفي في العودة إلى التسارع.. وطفقنا نحتسي الشاي والقهوة ونتناول شطيرة المارشملو صنيعة مروة طه.. وختمناها بأم علي الرحلات كما يحلو لفاطمة كرم تسميتها.. ولعبنا قل أو افعل.. وقلنا وفعلنا وامتنعنا وكل ذلك ولا يزال هواء العين وزقزقة طيورها وحفيف اشجارها وجبالها الحارسة تشاهدنا وتشهد علينا..

وفي اللحظة التي بدأنا نستطعم حلاوة السمر داهمنا الوقت وحان موعد الأوبة.. فتبادلنا الحب بالدعاء بالثناء وبرجاء لقاء كهذا قريب.. وشددنا الرحال وعدنا وسكرة الفرح لا تزال تغشانا.. وأصبحنا وذكريات مسرة الأمس تنقش بين الحين والآخر الفرح على وجوهنا حد الضحك.. فكيف لا ولا تزال مخيلتي منذ يوم الرشفة حتى يومنا هذا تستحضر وجه فاطمة كرم وهي تلتفت يمنة ويسرى وهي تردد مركب طيار مرة تلو اخري .. وكيف ننسى فرحة ريم العامرية وقد ومضت ذكرى هذه اللعبة بالذات في ذاكرتها العتيقة حتى قفزت فرحا وهي تردد عرفتها عرفتها.. وكيف ننسى تدافع شما وأفراح على الدائرة المركزية حد الضحك.. ودبلوماسية مروة الرئسي ومخزون مروة طه من الذكريات الظريفة..

وعدنا مغسولي الصدور منشرحيها.. والحمد لله رب العالمين

رأيان حول “ذات مسرة..

اضافة لك

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑