كنت دائما أتساءل لماذا كان الطعام والشراب من نعيم الجنة.. لماذا يكافئنا الله أو يعاقبنا بالطعام ونحن في خلد أبدي لا موت فيه.. وكيف نأكل نحن في الدنيا؟.. نأكل خشية من الموت.. أم لنستمتع بالمذاق.. أم رغبتنا في إسكات شعور ما في أنفسنا.. أم لأنا اعتدنا على أن نأكل.. هل علاقتنا بالطعام -على وفرته- علاقة خوف أو حاجة أو عادة أكثر من كونها علاقة لذة أو حب!.. هل تفقدنا علاقة بالطعام سر جمال هذه الشهوة وتحجب عنا كشف سر كونها نعيما في الجنة أو زقوما في النار والعياذ بالله..؟
هكذا غرقت في أفكر يوما.. وهكذا كنت أتناول الطعام حتى شاهدت رشفة شهر الحب والميلاد فلم القائمة.. وبالرغم من السوداوية التي قدمت بها فكرة معاقبة من لا يتمتعون بالمذاق الذي يجتهد الطاهي في جمع وطهي وتقديم مكوناته ومشاهد الدماء والانتحار والموت.. إلا أنه قد تغير لدي معنى أن آكل.. أدركت معنى أن أتلذذ بنعمة الطعم.. بنعمة التذوق.. بعجيبة من عجائب خلق اللسان وبديع أدائه حين جسد الطاهي بطل الفلم تلك المعاني في قوله: أطلب منكم شيء واحدا لا تأكلوا.. تذوقوا استمتعوا بالنكهة.. تلذذوا.. تأملوا كل لقمة تضعونها في أفواهكم.. أدركوا.. لا تأكلوا فقط.. قائمتنا أغلا من أن تفعلوا بها ذلك..
لكن.. ماذا لو كان هذا ديدننا مع الطعام..؟ ماذا لو كنا لا نأكل وفقط.. ماذا لو كانت اللقمة التي نضعها في أفواهنا تأخذ حقها في المضغ والتأمل والتلذذ والإدراك قبل أن نقذفها بها إلى معداتنا ؟… ماذا لو اقتطعنا من وقتنا دقائق التحدث عن نتائج التلذذ والتأمل تلك في أثناء تناولنا الطعام وأمام من طهاه؟… ماذا لو كان من يطهو لنا الطعام يسمع ويرى أثر جمال ما صنع منا وفينا؟.. أتصور بأنا لو فعلنا هذا فإنا سنمنح أنفسنا ونحن على الأرض صورة ولو محدودة عن متعة من متع الجنة أو الشقاء في النار..!
ياله من فلم… فهو يحكي قصة مجموعة من علية القوم يدعون إلى تذوق قائمة طعام في مطعم يقود الطهي فيه طباخ عالمي بدأ شغفه بطهي البرغر وتدرج إلى أن أصبح أشهر من نار على علم في عالم إعداد الطعام.. وبات لا يقدمه إلا لعلية القوم مِن مَن يستطيعون وببساطة رمي الآلاف من الدولارات على جولة عشاء واحدة مخصصة لهم.. كان لهذا لطاهي فريق من المساعدين مخيفي الانضباط والطاعة.. يشعرونك طوال الفلم بان الطاهي ربهم..
بني الفلم على مجموعتين من الناس.. أحدهم لا يقدر النعم وهم المدعوون.. والآخر شديد التقدير إلى حد التقديس لعمله وبالحذافير وهم مساعدي الطاهي.. وكل من المدعوين كانت له قصة تتمثل في ذنب خفي ، وفي صدر الطاهي كان لهم حقد حد الانتقام.. فجعل يقدم لهم الطبق إثر الطبق حتى أدركوا أنهم هم أيضا كانوا مكونات لطبق حلوى في آخر القائمة.. في ختام جولة العشاء الخاصة.. حيث قال الطاهي في وصف طبق الحلوى: السمور.. الاعتداء الأكبر والأشد إهانة لحاسة الذوق البشرية (سرد مكوناته) إنها تمثل كل سوء فينا ونحن نربطها بالبراءة بالطفولة بالأم بالأب.. ما يحول هذه الفظاعة هو النار.. اللهب الطاهر.. يغذينا يدفئنا يعيد ابتكارنا.. علينا أن نتطهر كالشهداء كالمهرطقين ونصنع من جديد.. ثم أشعل النار في الجميع بينما كان واقفا في منتصف الطبق وقد لف أكتاف المدعوين حتى نهاية صدورهم بعقود من حلوى المارشملو وغطى رؤوسهم بقالب من الشوكولا وسكب شيء منها على وجوههم ونثر حولهم فتات بسكويت..!!
لكن قبل هذا كان قد قتل مالك المطعم غرقا في فقرة أسماها الملاك الساقط.. وكذلك أقدم أحد مساعديه على قتل نفسه بإيحاء من الطاهي في أحد الفقرات وكذلك فعل أحد المدعوين الذي كان مهووسا بمكونات الطعام وأسمائها على الرغم من عجزه عن الطهي.. والذي وصفه الطاهي : بسبب أمثالك أزيل الغموض من فننا، ولم ينجو من المدعوين والطهاة سوى مارغو.. الفتاة التي لم يلوثها البذخ والتي أصلا لم تكن مدعوة.. وكانت تمتهن مرافقة من يشاء بالأجرة.. كل الضيوف كانوا مغيبين عن ما يفعل الطاهي عن التمتع بتذوق ما يقدم والحديث عنه.. إلا خبيرة الطعام التي كانت تتقعر في وصف المذاق وتتشدق.. ومارغو الناجية الوحيدة من انتقام الطاهي.. وقد نجت بطريقة بقدر ما بدت بسيطة بقدر ما ضربت في عمق الطاهي الحاقد وهزته.. وكل ما فعلته مارغو أنها أعلنت أنها لم تشبع.. وأنها تريد أن تأكل.. وطلبت منه برغر بالجبن وأخذت ما تبقت معها عقب دفعها لثمنه..! فأطلق سراحها وقتل نفسه والبقية.. وصعد تدافع التساؤلات في أذهاننا..
ماذا كان هذا البرغر بالنسبة الى عجيب المكونات التي قدمها الطاهي لضيوفه.؟ لماذا أنقذت مارغو بساطة طلبها ولم تنقذ وجاهة وملايينهم المدعوين الآخرين حياتهم.. لماذا استسلموا كلهم وقاتلت مارغو وحدها … ما السر بينهما.. ما الفعل الذي نجحت به مارغو البسيطة وفشل فيه ذوي الملايين المملينة..؟ وإلى أي درجة من الجدية يأخذ هذا الطاهي شغفه.. وهل هذه درجة سوية.. هل من حقه أن يقضي على الناس لمجرد أنهم لم يقدروا جهده.. فنه.. أداءه..؟ ما مقدار قيمة أن يقدره الناس في نفسه.. ما خطب تلك النفس..؟
ونعتقد حد الإيمان .. وخاصة بعد التحاور في الفلم بانه مارغو أحيت فيه ذكريات شغفه الأول.. فرحته الأولى.. سعادته بأن يقدر الناس ما بذله من جهد في إسعادهم بطعم لا يظاها وبمكونات فريدة طازجة مدروسة.. أعادت إليه مارغو سعادته فأعتقها.. وغفل باقي الحضور عن ذلك الجهد او الفن -كما يسميه الطاهي-وطفقوا رغم الجمال الذي كان يحيطهم ويراود حواسهم منشغلين بأعمالهم ومشاكلهم ورغباتهم فأعدمهم.. وكأن هذا العشاء.. هذه القائمة.. كانت فرصتهم الأخيرة لينتهوا.. أو لينتهوا.. ولم تنتهي حيرتنا نحن المشاهدات حتى عقب تحاورنا في لقاء نادي الكتاب سجال عنه
ترى ما الرسالة التي أراد أن يوصلها إلينا الطاهي في هذا الفلم؟.. أيريد إخبارنا بمدى فداحة ما يفعله المال بذائقة الإنسان.. هل يفقد الإنسان سعادته الأولى يوم يصل بعمله أو فنه إلى الذروة ولا يجد لمتذوقي هذا الفن أو مرتادي مقره صدى يوازي طموحه او توقعاته ؟.. هل قتل البذخ شغف الطاهي في هذا الفلم وبخاصة أن طفولته كانت بائسة خفف انشغاله بالطهي وطئة البؤس فيها؟.. أم أن البذخ قد لوث حواسهم فلم يجد أي منهم من شدة الرخاء ما يحييه من الداخل ما يوقظ جميل مشاعره حتى الطعام فاستحق القتل حرقا ثم تفجيرا..؟
ترى هل نحن بحاجة إلى إعادة اكتشاف شغفنا ومواضع الجمال فينا.. هل فينا ما يحتاج إلى إنقاذ من البذخ.. بذخ المال.. بذخ الراحة.. بذخ الفراغ.. بذخ المشاعر السلبية.. بذخ الهم.. مثلا؟ هل فهمنا الدرس.. هل نحن بخير..؟ وهل سننسى بعد مشاهدة هذا أن نتذوق الطعام ونستمتع بالنكهة ونتلذذ ونتأمل كل لقمة نمضغها..؟ ريما .. أو بكل تأكيد
الفلم يستحق أن تشاهده.. لكن ليس لمرة واحدة أبدا.. ونعدك بأنك لن تأكل الطعام بعد مشاهدة الفلم هذا.. بل ستتذوقه..


أضف تعليق