(10 دقائق و 38 ثانية في هذا العالم الغريب)
قرأت هذه الرواية لمرتين متتاليتين وفي كل قراء لهذه الرواية تتجلى لي أفكار وتصورات جديدة.. هناك شيء ما في هذه الرواية يجذب على الرغم من أن موضوعها ليس بالجديد أبدا.. وتناول هذه الفئات ليس بالجديد أبدا أيضا..وانعدام الإنسانية في الإنسان ليس كذلك بالأمر الجديد على عالم الروايات ورواتها.. ومع معرفتنا لكل هذا إلا إن للرواية هذه سحر بث نوعا من الحياة الجديدة في هذا الموضوع الليس بالجديد..
تبدأ الرواية بموت يحي الذاكرة العتيقة للميت (ليلى التكيلا) .. الرواية في معظمها بنيت على هذه الذاكرة الحية لذاك الإنسان الميت.. والإنسان هذا يوصم بأنه عاهرة.. رميت بعد قتلها الشنيع في صندوق قمامة بيد أحمقين ظنا كما يظن كل العالم أظن.. بأن القضاء على النتيجة يقضي على المشكلة..!! .. وغالبا هذا حال الغالبية في مجتمعاتنا التي تجيد جلد من تعارف اجتماعيا على أنه جاني وخاصة إن كان ذاك الجاني امرأة .. فكيف إن كان امرأة عاهرة..!!
تذكر ليلى وهي في العشر دقائق والثمانية وثلاثون دقيقة من بقايا نشاط دماغها .. الرمق الأخير في الحياة.. لحظة ولادتها العسرة كأول طفلة لعائلة تتكون من زوجة ثانية طفلة جاهلة وأب يترقب المولود الذكر بعد عمر مضى بلا أطفال البتة.. تستحضر ذاكرة الميتة اللحظة التي رفضت فيها الحياة حيث ولدت صامته معطرة برائحة خفية للمسك الذي نؤمن أنه لا يخرج من أجساد الأحياء بل الموتى كعلامة أنهم بموتهم قد أصبحوا من أصحاب الجنة.. ولعل المقتول أيضا يكون من أصحابها..!
وبدى الأمر وكأن ليلى جاءت إلى الدنيا عنوة.. ورحلة عنها عنوة.. وكأن الدنيا رفضتها منذ الولادة حين فاح منها عطر أهل الجنة.. وأخرجتها بقسوة حين قتلت بأداة حديدية ورمت في صندوق قمامة.. ناهيك عن حياتها القاحلة إلا من حطام أحلام طفولة وصدمات هربت منها بأكل التراب ومجلات مهربة وصداقة يتيمة.. حياة ظنت أنها ستحيى أجمل منها ما بعدت عن العم وأبيها.. ومشروع زواج درء العار الذي نصبوه لها.. فحملت ظنونها وهربت.. ظنت أن إسطنبول أمان.. وأن الناس فيها مثل سنان صديقها الأول.. سيحبونها هكذا كما هي.. وان العجائز في تلك المدينة الكبيرة كأمها والعمة.. سيعتنين بها بصمت.. وأنها ستعيش فيها.. ستأكل وتشرب وتنام وتتنقل مجانا.. كحالها في بيت أبيها.. إلا أن الفرق فقط في أنها ستكون حرة.. لا قواعد لا قوانين لا مزيد من تحطيم الأمنيات وحرق الأحلام.. و لا فرق بين الفتاة والفتى.. ظنت أن اسطنبول الكبيرة ستحتوي حلمها الصغير وما حيلة الصغير حين لا يجد في بيته الكبير سكن لحلمه.. أو إنسان يسكن إليه سوى الهروب..
وتحولت هي في غربتها إلى سكن.. السكن لأناس يشبهونها في الهرب والحلم.. اناس صنعتهم مجتمعاتهم ثم سخرتهم لمصالحهم ثم صبت جام غضبه على رؤوسهم نبذا وتحقيرا.. أجل.. صنعوا العاهرة والشاذ ومغنية المواخير.. هؤلاء هم من فتحت لهم ليلى بيتها.. وقاسمتهم معيشتها .. غرباء مضرجون بعارهم.. لكنهم كانوا لها وطن كما كانت هي لهم وطن.. تجاوزوا في صداقتهم كل شيء وتلاقوا في الإنسانية.. ترى.. أين ذهبت إنسانيتنا.. لماذا ننسى ونحن نتعامل مع الناس أننا ناس وهم ناس مثلنا..
منذ قدومها إلى الدنيا ..ليلى التكيلا هذه.. لم تذق معنى السكن.. الأمان.. معنى أن تحب هكذا.. أن تقبل هكذا لأنها بكل بساطة وعمق إنسان.. يحب بلا سبب غير فردانيته كٍإنسان.. ولم تنل حتى حق الفرصة الثانية حين هربت من كل هذا الفزع التي عاشت فيه.. وأنا لها ذلك.. وهذا أبوها.. وهذه أمها.. وهذا مجتمعها.. وهذه إسطنبول التي فرت إليها..
.. فماذا لو شمخ الأب في وجه أخيه وأخذ حق ابنته من عيونه.. ماذا لو رد على اتصالها بعد هروبها و صفح عن ذنبها واعادها الى اردانه وتحت حماه وحبه.. اليس هذا من واجب الاباء والأمهات.. ماذا لو استوعب ابو نوستاليجا مشكلة ابنه ووضع يده في يده وسعى لإيجاد حل له أو سرحه بالحسنى ولم يصب عليه كل تلك اللعنات ويتركه للشارع وكلابه والجوع وعضاته والخيبات.. ماذا لو سمح اهل حميراء لها بالغناء تحت اجنحتهم ولم يتركوها سقطا للنوادي الليلية وذئابها وشياطينها.. وماذا لو لم تحط الصيدلانية ام سنان المخرب اجنحة ولدها.. وتربي الخوف في فؤاده إلى الحد الذي جعله يحبس نفسه في الاطار الاجتماعي الامن.. زوج اطفال وظيفة استقامة ظاهرة.. الحد الذي حرم به نفسه من ان يكون زوج لحبيبة عرفها .. لا واجهة اجتماعية لامرأة اختار الزواج بها.. لماذا تغيب الانسانية عن المشهد الانساني ليس في الرواية فقط بل في الكثير من جوانب حياتنا نحن معشر القراء ومن لم يقرأ..
إذا .. الرواية في أصلها تعرية لبؤس الإنسانية في زمن يبدو فيه الإنسان أكثر تحضرا.. أقل شقاء.. أيسر معيشة.. أسهل حصولا على العلم والمعرفة والمعلومات.. لكنه تجرد من إنسانيته ولهث وراء أثواب شتى بدى له بعضها عظيما مهيبا ساترا إلا.. ألا انها لم تستره.. لم تسترنا .. لم تخرس دوي سقطاتنا من علي إلى قاع لست أدري ما أسميه..
وآخر البوح.. وليته لم يكن.. في هذا النص برعت أليف شافاك في كسر الصمت عن المآسي الإنسانية المسلوبة الإسم والملامح.. المموهة بأسماء كثير وأقنعة.. كالدين والعيب والعار والحرام والفضيحة.. حين اقتبست قصتها من أزقة لا يكاد يخلوا منها وطن.. وسلطت عليها شمس الواقعية.. فتبخرت كل تلك الأسماء الوهمية وتبخرت تلك الاقنعة .. فتجلت الحقيقة ساطعة كالذهب..في نص طغى جميل صياغته على زعاف قسوتها..
إلى أليف شافاك مجددا.. نقف.. نصفق طويلا.. ونرفع القبعات.


أضف تعليق