
بالإضافة إلى اسم كاتبها فإنه لم يغرينا شيء لقراءة هذه الرواية بقدر ما أغرانا اسمها الذي جعلنا نتساءل ما معنى كونشيرتو.. وغورينا من هو إدواردو..؟ ما الذي ارادت أن تخبرنا به نجوى بن شتوان..
وطفقنا نقرأ الرواية فإذا بها تحملنا إلى ليبيا في تلك الحقبة الموسومة بالثورة.. يوم سرق الناس ما شقي في بناءه الناس تحت جنح القانون بدعوى الخير للجميع..
استهل السرد بإهداء من قلب نابض بالحب إلى قلب واراه التراب .. وكأن الرواية برمتها ليست سوى مذكرات شخصية يكتبها إنسان ما لإنسان آخر لم يعش في نفس الحقبة الزمنية .. إنسان لا بد و أن يعرف تاريخه ومن أين أتى وما هي الحقيقة..
وهكذا وجدنا انفسنا نتنقل بقلم نجوى بن شتوان من قورينا إلى بنغازي ومن الفويهات الى جليانا.. نتعرف على مدن ليبيا وقراها.. وشأن الناس فيها ومعيشتهم.. تنقل حكم بالحب أحيانا ..وأحيانا فرض بالخوف.. أحيانا بالهرب بالنفس أو من الألم إلى حيث لا ذكريات تثيره.. ولا بنادق تؤججه.. ولا أناس يلوحون به..
العائلة في هذه الرواية هي بطلة الحكاية.. التوأم وابوهما (محمود) وأمهما (نجاة) وجديهما (أحمد عمران).. والأعمام (مسعود وخالد).. وعيالهم (آمال).. واخوهما أيوب .. واختهما أمينه وكادي نيني الجدة.. واصدقائهم وجيرانهم .. والحب الذي جمعهم.. والبيئة التي شوشت بعض هذا الحب وانحرفت ببعضه الاخر.. وحرفت الافكار وعرت الانسان من زيفه..
ووجدنا بينما كنا نقرأ .. وملامح أفراد العائلة في الرواية تكتمل أمامنا فصلا إثر فصل..أن في كل شخصية منهم جزء منا.. أو من أمنياتنا… .. فتمنينا جدا كأحمد عمران.. وتوأما كريم.. وتعوذنا من شر يعقوب.. وعطفنا على قهر محمود.. وغبطنا آمال.
وكم شعرنا بالجمال حين نجحت نجوى بن شتوان.. كما عهدناها.. في أن تحيي هذه الشخصيات فينا.. فها نحن ذا في قراءتنا.. نحمل الهم مع الجد عمران.. ونذوق القهر في غصة فؤاد محمود.. ونرحم أمينة من تخبطها في الحياة.. ونصرخ محاولين منع رصاصة العرس ممن سلب حياة كادي نيني .. ونضيق ذرعا بتوافر القوة والسلطة في أيدي الجهل.. ونرجو لو أن التوأم لم يفترقا.. ولم يكبرا..
ولكن .. كل شخصية في الرواية كان لها اسم.. إلا التوأم.. لم نعرف سوى اسم ريم منهما .. الأمر الذي جعلنا نتساءل.. لماذا لم تكن أسماء التوأم بهذه الأهمية في الرواية..؟ أم انه من المهم أن تكون تلك الأسماء مبهمة! ما الذي تركته لنا نجوى بن شتوان هنا لنكتشفه ؟.. أي الاسرار يكمن في ذلك..؟ هل هما كونشيرتو.. اسم واحد لشيء واحد قد يشترك فيه أكثر من شيء واحد.. فالكونشيرتو هو عزف منفرد لآلة موسيقية او آلتين في جوقة اوركسترا.. أكذلك كانا هذا التوأم..؟ مازلنا نتفكر في ذلك..
أما عن لغة الرواية فقد جاءت دافئة.. ساخرة ساخطة.. بسيطة عميقة.. حكيمة محكمة.. لم يخل بذلك الإحكام فيها ومن وجهة نظرنا الشخصية سوى الخوض في التفاصيل السياسية.. وقد لا يكون هذا عيب فيها بقدر ما هو انعكاس لذائقتنا القرائية التي تأنف من السياسة..
وآخر البوح..
الرواية تأريخ لحقبة زمنية.. جاء في هيئة مذكرات شخصية.. مهداة الى روح قسمت نصفين.. نصف واراه التراب ونصف دون التاريخ وقدمه إلى قورينا.. قورينا المدينة.. وقورينا ابنة إدواردو.. وابنة ريم شقيقة التوأم.. ورمز لكل طفل ليبي الشق مغترب الشق الآخر.. فبات غريبا عن إرثه التاريخي .. لعل قراءة التاريخ في رواية.. تبطل لعنة أن يعيد التاريخ نفسة.

أضف تعليق