تصور الرواية حياة رجل يدعى “أخيد”.. نشأ في الصحراء يتيم الأم فاقد الأب.. لم ينقذه من وحشة الحرمان المركبة تلك سوى جَمل أُهدِيَ إليه من رجل عظيم الشأن في قومه.. جمل فريد أبلقا.. وسماه “أخيد” الأبلق..
جعل أخيد هذا المهري (الجمل) قبلة لحياته لا يولي إلا إليها أينما تولى.. بل كان المهري كل حياته للحد الذي كاد “أخيد” فيه أن يفقد الحياة إنقاذا لحياة الأبلق من الجرب الذي أكل جلده فلحمه ومحى لونه .. إنقاذا بدأ بالتضرع والنذر “لتانيت” وانتهى بأسيار فامتزاج الدم بالدم حتى أيقن أخيد حينها أن الأبلق بات أخ له .. فماذا بعد اختلاط الدم غير الاخوة!.. وماذا بعد أن أنقذ كلا منهما الآخر من حافة البرزخ وأعاده إلى صحرائه..
عقب كل هذا .. غلب على ظننا لوهلة أن هذا المهري ليس جملا.. بل انعكاس لشيء ما يخص هذا “الأخيد”.. وكأن شيءً فيه خلق وجوده.. أي أن هذا المهري لم يكن موجودا إلا في عقل أخيد ونفسه.. فالعلاقة الناشئة بين “أخيد” ومهريه الأبلق تجاوزت في مظاهرها المعنى المنطقي الذي نعرفه للحب.. لقد كان لهذا الحب بعدا آخر ضاربا في عمق يتجاوز الإنسانية والمنطق ووعينا..!
كان للناس في تلك الصحراء أعباء ثلاثة.. قوانين يرثونها عن الآباء فتتحكم – كما فهمنا- في حياة إنسان الصحراء تلك.. وما تلك الأعباء إلا (الوهق، الدمية والعار).. أعباء لم تستثني أخيد في سريانها.. أخيد الذي لم يعرف من الحياة غير الخلوة والمدى اللانهائي والسكون ولعن النساء والولع بهن.. شاب هذه حياته كيف يرضخ لقانون لا ينتمي إليه.. لا يعرفه.. لا يمثله..كيف يتخذ وهقا (زوج).. ويصبح ذو دمية (ولد).. ما مس أخيد من هذه القوانين سوى العار.. فلقد نال منه لمما كالفشل في مراقصة الجمل أمام الحسان، والشك في تسلله إلى الأخدان.. شك لم ينقذه من عاره سوى نسبه العريق بين القبائل لسفكوا إنه سليل “اخنخون العظيم”.. فكيف يسفكون دمه.. فانتقموا من أبلقه حتى أصابه الجرب.. وكأن الأبلق هذا بطول سرد الرواية يدفع ثم حماقات أخيد ويمحوا عاره..
لكن من يكون أخيد هذا حتى يقف في وجه الصحراء مترفعا عن قوانينها.. وكيف يقاوم الصوت الإلهي للحسناء ذات الجاذبية “آيور”.. “صوتها الذي كان ينزع وحشة الحياة وقسوة الصحراء من قلبه” وهي تصدح به..
وهكذا “وكما أن قوم إبراهيم يصرون على عبادة الأصنام لمجرد انهم ورثوا التقاليد أبا عن جد” تزوج أخيد “وصنع مكانا للعار في قلبه كي يحبس نفسه في قيود أقوى من سلسلة الحديد التي يزيد طولها عن سبعين ذراعا”
فتزوجها أخيد رغم سخط أبيه.. وهجر الصحراء إلى الواحات.. “تخلى عن كلمة السر: الطمأنينة الحرية السكينة“.. وأنجبت له أيور ولد “معلولا مثل أمه شاحبا.. ضعيف القلب والبدن.. يسيطر عليه الوجوم“.. ومضت الحياة بهم.. أخيد وأبلقه وزوجه وولده و الجدران الأربعة والثمانية..
ثم ظهر دودو في تلك الحياة حين ظربها الجوع ومات الناس زمرا خلف أبوابهم الموصدة.. ظهر دودو ظهورا تاجر غريب عابرا لكنه كلن فائضا بالغنى والجمال والذهب.. ظهر حين تلاشت بين أخيد وأيور “الجاذبية والشِّعر والشرر” وبقي التفاخر بجمال الأبلق وحسنه.. فسيق الأبلق على إثر ذلك بيد أخيد إلى دودو مرهونا مقابل جميلن يسد بهما جوع العيال ويطفئ بما سيجلبانه من خير حقد أيور على الأبلق.. و عقد أخيد الصفقة وهو “يجهل ما الذي يعنيه لفظ الرهن في لغة التجار“!!.. دودو ذو المال والتبر والخبث المعتق والقلب العاشق والأسرار..
وحين غدر الشوق بعزم أخيد وروح الأبلق اللذان “كانا شيء واحدا قبل أت يكونا أي شيء“.. فكيف سيتخلى عن “نصفه الإلهي ويقايضه بوهم الدنيا” فأن “النبل هو الذي يحتم عليه أن يضحي بالوهق والدمية والوهم” .. فعزم على استرداده بأي ثمن.. فالتقى الجهل بالحب بالسذاجة في بلاط الخبث على يد دودو حين “أكل ألم القلب الألم” فتضعضع حصون أخيد وقلاع صبره فنفذ شرط فك الرهن.. والشرط كان صك طلاق زوجه آيور الذي وضعه في يد دودو في خلوة .. وقبل منه كيس تبر.. كيس لم يلقي له بالا.. فأي قيمة له مقابل الأبلق والصحراء..
فتخلص أخيد حينها من سجن الواحات وسلاسل الوهق والدمية والعار أيضا.. واسترد روحه.. والصحراء.. لكن الصحراء أبت.. فأشاعت في أرجائها بيع أخيد لعياله مقابل حفنة تبر.. إنه العار.. عقاب أخيد على كسر قوانينها.. الصحراء..
وما كان التبر ألا سلاح.. انطلق منه العار إلى جبين “أخيد” والموت عبر صدر “دودو” في يوم عرسه على “آيور”.. وحكم على أخيد بميتتان، فشلت فيها الجمال أولا.. ثم حسمها السيف حين ” طار في الفضاء واغتسل بماء السماء .. بأشعة الشمس القاسية ونزل على الرقبة”.. رقبة أخيد .. ولسنا ندري.. أيد الرعاة الساعية خلف للتبر من قتلت اخيد أم.. كانوا فقط وسيلة الصحراء..!!
يعزيز القارئ..
حين تقرأ هذا الجمال لأول مرة سيخال إليك أنها تعكس واقع حياة الطوارق في صحرائهم فقط.. الحياة التي اختصرت في ثلاثة أشياء.. (الوهق، الدمية والعار).. المرأة ..الولد والعار. ولكن.. حين تعاود القراءة مرة تتبعها ثانية فثالثة ورابعة.. تأسرك.. وتستشعر في كل قراءة لها أن هناك سر في هذا العالم سرفي أخيد ذاته.. سرا في علاقته بالجمل بالصحراء بالليل بالنجوم بالشمس.. بالصمت في صراخ لأبلق (آآآآع) في الحوارات الدائرة بين “أخيد” وأبلقه ودودو والراعي ذو الفم الخالي من الأسنان وأيور.. وفي الحلم بالبيت الغارق في العتمة والصنم ..وحتى في الصمت.. وكأن هذه الرواية تبوح بالأسرار ولكن لكل قارئ على حدة.. لكل قراءة على حدة.. كل قارئ وقلبه.. وفكرة وقدرته على قراءة الأسرار المتعلقة بأهداب الحروف فيها وفي أكباد الكلمات..
وآخر البوح.. نقف ..نرفع القبعة لإبراهيم الكوني .. ونصفق طويلا..


أضف تعليق