ثمة متسع من الوقت.. حقاً..؟

نعم حقا نملك متسع من الوقت حين ننفصل عن شعورنا.. غير مدركين أننا ندفع ثمن الانفصال عن الشعور هذا.. وأن هذا الثمن هو أحبابنا.. الذين أمنوا في حبنا لهم.. وبادلونا هذا الحب بثقة.. وامتنوا لكل شيء جميل قدمناه لهم في حياتهم.. وما استصرخونا خين نفذ مخزون صبرهم علينا ونحن ندعي أننا معهم نشاركهم تلك الحياة بالجدال والصراخ والتوتر وكأنه البرهان الوحيد على وجودنا.. معهم.. نعطيهم.. و حينها هل سنمتلك الفرصة حقا لإصلاح العطب الذي سببناه لعلاقتنا التي نحب بهم..؟

عن هذا تسائلنا ونحن نشاهد رشفة سبتمبر التي كانت فلما اسمه: ثمة متسع من الوقت.. بطل الفلم رجل كادح.. بمعنى الكلمة يدعى دانتى.. ارتقى بحياته المهنية من القاع إلى القمة في ثماني سنين وبرفقته زوج تعرف عليها في صدفة انتجت خطأ.. وكان خطأ هذه الزوج أنها لم تلتفت لهذا الخطأ منذ البداية.. و انجبت له ابنته.. هيئ دانتي لزوجه وابنته من جراء كدحه في العمل تدريجيا معيشة فخمة، فخامة نالت حتى والده دانتي الذي رغم كل السوء الذي عامل به دانتي إلا أن دانتي اعتنى به، مودعا اياه دار رعاية لكبار السن عاش فيها الأب معززا مكراما محفوظا من الوحدة والوحشة والجوع .. كل ذلك عانى منه دانتي في صغره بسبب والده.. هيئ دانتي تلك المعيشة الكريمة لأحبابه بكدح مستميت و بتدرج لم يكن دانتي يدركه!

ولم نكن نحن كمشاهدين للفلم ندرك ما الذي يجري لدانتي.. وخيل إلينا أنه يعاني من فجوة في الزمن وترقبنا حل لغز هذه الفجوة واكتشاف أسرارها، فاكتشفنا أن كاتب الفلم ومخرجه خدعونا حد الدهشة والتصفيق، فالفلم ليس فنتازيا ولا يمت للخيال العلمي بصلة كما خيل إلينا.. بل إنه أشد واقعية من الواقع.. وغياب دانتي حتى عن صديق الذي افقده العلاج الكيماوي شعره كان غياب واقعيا ودانتي هو الوحيد الذي لا يشعر بواقعيته.. فهل يغيب الإنسان عن واقعه إلى القدر الذي لا يعي فيه ما يسببه لك من وجع لأحبابه.. هل علينا أن نصل إلى القاع حتى ننتبه إلى أننا نغرق.. وأنا حين نغرق لا نغرق وحدنا.. بل نغرق كل قلب أحبنا معنا..

هذا ما حصل لدانتي الذي لم يستيقظ إلا حين وجد نفسه وحيدا.. والوحدة تفقد الأشياء العظيمة طعمها.. والحياة ترسل إليك رسائلها حين تسيئ ممارستها فهي عادلة.. الله عادل.. والرسائل التي كانت تصل لدانتى كثيرة.. وحين لم تنفع الكثرة لم تستسلم الحياة فكبرت تلك الرسائل حتى استيقظ دانتي وقرر الخروج من القاع إلى الحياة.. الحياة الحقيقة.. حين تجلى الفقد وبات حقيقيا.. لا يواريه إنكار ولا صراخ ولا جاه.. جعلنا هذا الفلم نتفكر في كل هذا.. والفلم لم يخلوا من الفكاهة أيضا..

وفي تحاورنا عن الفلم – في نادي الكتاب سجال- انقسمنا إلى فريقين.. قسمنا مفهوم الحب بين دانتي وزوجه التي صرحت قرب نهاية الفلم لدانتي بأنها أحبته أكثر من نفسها.. وأنها تصورت أنها لن تستطيع الحياة بدونه.. لكنها حين استقلت عنه اكتشفت أن ذلك ليس سوى مجرد وهم حبسها في حب دانتي حتى خنقها غيابه وغيبها عن ذاتها.. والغريب أنها لم تختر البعد بعد الاختناق وإنما اختاره دانتي.. لكنها في البعد عرفت نفسها بدونه واحبت تلك النفس وازدهرت.. وافتتحت معرض رسوماتها الأول.. وبدأت أولى خطواتها نحو أن تكون..!

فما الذي جعل دانتي يستفيق.. وما الذي جعل زوجه تستفيق.. ما الذي أصلح الحياة بينهما.. مالذي داوى تلك الجروح وأعاج بناء تلك الجسور بينهما.. حبهما.. ابنتهما.. الوحدة.. !! ونحن .. مما يا ترى نحتاج أن نستفيق..عم نحن غائبون.. وماذا لو كانو هم الغائبون ونحن المنتظرون.. ما الذي ننتظره.. ما الرسائل التي وهبتها لنا الحياة وتغافلنا عنها.. ما الرسائل الكبيرة القادمة منها.. وهل سنسمح لهم بالعودة إن جاؤوا معتذرين.. و إن جئنا نحن نعتذر.. فها تشرع لنا أبوابهم.. أحبابنا.. شركائنا في الحياة.. ابنائنا..؟

وفي الختام.. نرفع القبعة لمن كتب هذا الفلم واخرجه ومثل فيه..

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑