دلشاد الثانية.. والجوع والدم .. والذهب والشبع

وها هي ذي بشرى خلفان تكمل الجزء الثاني من رائعتها دلشاد بسيرة الدم والذهب.. مستكملة نقل مشاهد حياة إنسان عمان في ذلك الزمان.. الإنسان الذي يرزح تحت نير الجوع والدم متجسدا في شخص دلشاد المهمش الجائع الذي طارده الفقر في كل حياته حتى في الحب.. حب نورجهان.. ثم حب مريم  وحتى فريدة التي سمع بها ولم يرها..  و مارا بحكايات السادة، عبداللطيف لوماه واخته فردوس .. وخدمهم ماه مويزي وعساكر ، ومختوما بهروب في لحظة عوده من هروب.. الهارب كان مريم بفريدة.. والعائد كان دلشاد..

و بدأ الجزء الثاني من هذه السيرة، حيث حجمت بشرى خلفان، بذكاء ظهور دلشاد .. فحبسته في سجنين.. سجن الذاكرة وسجن القلعة ، وهو الذي كان قبلهما حبيس الخوف والجوع والغياب.. فدلشاد منذ تجاهلت امه وجوده طوال حياتها القصيرة معه وهو في غياب.. سرعان ما كان يعالجه بالإلتصاق بأي كائن آخر.. بدأ من ماه حليمة، مرضعته فنور جهان، زوجه ، فمريم، فرحة قلبه وموطن ندمه وسر هربه الكبير إلى الهند، وكان ذلك في الجزء الأول من الرواية، وانتهاء بكل الجماعات التي تواجد معها في سجنه الأخير في قلعة الميراني.. تلك الفترة الوحيدة التي كان لدلشاد فيها حضور ..  حضورا خالصا حقيقيا رغم الكذب.. فماذا لو اصبح مع اللصوص: مسعود قشاطه.. ومع الأئمة: سالم بن ناصر، الشجاع الذي انقذ امرأة.. ومع المتمردين: الشيخ إبراهيم بن زاهر، مهرب السلاح.. حرره فقد الذاكرة من أن يكون هو.. و هو الذي قد كان كتلته من الخوف والألم تمشي دوما في ظل أي أحد يسمح لها بأن تمشي في ظله.. كان مغيبا.. حتى فقد مع ذاكرته كينونته الجبانة تلك.. يا لها من فرصة.!.. أهي فرصة حقا أم أنه عاد ليلتصق بالكائنات الأخرى إنما بلا خوف هذه المرة، بل بحثا عن هوية كم تاقت إليها هذه النفس المهمشة.. نفس دلشاد..؟

و الجميل من بشرى خلفان في هذا الجزء من الرواية أنها سلطت الضوء على مريم .. لتحمل هذه الأخيرة بدورها راية نقل مشاهد حياة إنسان عمان ذاك الزمان مارة بفريدة.. ونظام احمد أرسلان .. و فاطمه لولاه.. وناصر بن صالح وحسن لبن وشنون السرسري و صالح بن سيف الذي قصم ظهوره الكثير من الظهور.. فماتت بعده عاشقة مراد داهوك مقتولة.. وضاع مال ورثة عبداللطيف لوماه إلى الأبد.. وقتل قصاصا شنون السرسري.. وختمت االرواية بفصل يحمل اسم دلشاد وقد تناهى إلى سمعه ضحكة أتت من مكان قريب.. تعالت.. تتبعتها ضحكة أخرى فأخرى.. في ذات اللحظة التي غلب فيها الألم المتصاعد في صدر دلشاد دلشاد، فما استطاع اللحاق بالضحكات.. وهو جلس على عتبة باب ما.. مسندا رأسه على حائطه عاجزا عن فتح عينه.. بينما ختم الفصل القبل الختامي والمعنون باسم مريم دلشاد، بضحكتها وابنتها فريدة وأحفادها..

لله در قلمك يا بشرى يا ابنة خلفان، لله دره..

ومما اعجبنا في هذه الرواية أيضا ان بشرى كانت تشعل في صدورنا بصيص أمل وشعلة منه أحيانا ثم تطفئها.. فمريم تلمح رجل يمشي في السوق يحدثها قلبها بانه أبوها دلشاد وتتبعه ثم تفقد أثره.. ومرة تصطدم به وقد كسته الناس صبغة الجنون فهام في السوق وهو رث الثياب كث الشعر فلم تكترث له.. و فريدة تلتفي بامرأة في سفرها إلى قطر على ظهر سفينة، امرأة تشبه حكايتها حكاية أم ناصر بتفاصيلها لكن ناصر لا يعرف اسم امه وفريدة لم تكن تعرف بعد حكاية امه أيضا.. وكلا يتوق إلى الآخر.. وشنون السرسري يلتقي بدلشاد في سجن قلعة الميراني بلا ميعاد.. وهو الذي جاب سكك مطرح ومسقط سكة سكة بحثا عن دلشاد بأمر مريم  ، ولا دلشاد يعرف انه دلشاد وشنون غارق في ندمه وجزعه وخجله.. ونحن نقرأ هذا ونستمتع بكل ما اشتعل وانطفأ.. وبكل تلك المعرفة ناهيك عن المتعة التي حصدناها من قراءة هذا الجمال الذي نقف لكاتبته ونرفع القبعات ونصفق طويلا.. للجوع والدم.. وللشبع والذهب

من الروح شكرا بشرى خلفان على كل هذه المتعة المصحوبة بموسيقى اللغة و البلاغة والشعور.

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑