فلسفة الوحدة وميزان النضوج

لست أدري بماذا اصف هذا الكتاب، فهو بحثي الصيغة، يجمع بين جنبيه تعاريف مختلفة للوحدة و اقوالا مأثورة للكثير من الكتاب والفلاسفة والشعراء، ويعقد مقارنات كثيرة بينهم ويستعرض رأيه في نهاية المقارنة، ولعله اتخذ ذلك قاعدة ليبني عليها ريه الشخصي او يبين وجهة نظره ونقاط اختلافه مع ما قال او قبوله.
لكن وكالعادة لا يخلو كتاب من جمال، ففي هذا الكتاب ادركنا للوحدة تعاريف وصور ومعاني، وانقشعت المنطقة الضبابية التي كنا نتوه فيها بين الشعور والإحساس، والوحدة والعزلة. وتعرفنا على افكار وفلاسفة ومغنين وفهم لماذا اهتم الكاتب بالكتابة عن الوحدة، إذ قال الكاتب في مقدمة كتابه ص 19 :يتميز هذا الكتاب باعتماده على خلاصة نتائج البحوث التجريبية المتنوعة بقد اعتماده على اسلوب تحليل المفاهيم الذي يعزوه الكثيرون الى الدراسات الفنية”

وصنف الكاتب مواضيع هذا الكتاب في ثمانية فصول كانت :جوهر الشعور بالوحدة، الوحدة بوصفها احساسا، من هم الوحدانيون، الشعور بالوحدة والثقة، العزلة، الشعور بالوحدة والمسؤولية.

ومن بين كل تلك الفصول صفقت قلوبنا للفصل الخامس من هذا الكتاب، فعنوان الفصل هو “الوحدة والصداقة والحب” تلك العلاقات الانسانية التي لا تفرض علينا بل نختارها ، وهنا يكمن مقدار أهميتها وقيمتها في حياتنا، قيمة إن لم ندفعها لن نكسبها، وإن لم نكسبها بتنا في غربة عن انفسنا تمتد عبر كل شيء فينا وتلك مصيبة عظمى ، علاقات لطختها حد الدنس افكارنا تصوراتنا عادتنا تقاليدنا ويتعاضد كل ذلك وينقض علينا فنمتلئ حتى ننضح بسلوك وشعور مرتبك يشوش تلك العلاقات فنفقد طعم العيش فيها وسحر ممارساتها، وتلك مصيبة أهون، وأما أكثر ما راق لنا من هذا الفصل أنه قد انصف الصداقة، و زاد مفهوم الحب لدينا رسوخا، وزودنا بالكثير من الجمل التي وصفت الكثير مما نفهم وتوجدت الكثير من ذلك الفهم بعناوين أعطت للفهم قيمة وثقة وثباتا.

ونسرد هنا بعض الاقتباسات :
إن ما يجعل الحب والصداقة والحميمية امرا رائعا هو بالتحديد العلاقة مع شخص اخر، مع احد مختلف عن الذات… الى نهاية الفقرة، ص 94
من دون صديق يعيش الانسان عزلة تامة. ص 100
.. في حالة الصداقة… يختلطون ويتحولون الى نسيج كوني واحد، إلى الحد الذي يصبح من الصعب تمييز خط الالتقاء الاولي. ص 101
عندما تتوقع من شخص آخر ان يجعلك كاملا وان تشكلا معا وحدة متجانسة فإنك تضع هذا الشخص في وضع لا يحسد عليه. ص105
نحن بحاجة الى الصداقة والحب في حياتنا، نحتاج لأن نهتم لأمر احد ما، و أن يهتم لأمرنا أحد ما…. إلى نهاية الفقرة من ص 116
إن المهمة التي يقع على عاتق الناس جميعا هي التغلب على الشعور بالوحدة من خلالا التواصل، دون أن يجعلهم ذلك يفقدون ذواتهم. .. ص 118
العزلة هي حيز الحرية. ص 155
النضج هو القدرة على العزلة في المقام الاول. ص161
إن شعورك بالوحدة لا يعني بالضرورة أن الاخرين قد خذلوك أو أنهم لم يقوموا بواجباتهم نحوك على أكمل وجه. ص 174

واسترعى انتباهنا في الكتاب مقطع في الصفحة 177 من الكتاب مقتبس من رواية “كندا” للمؤلف ريتشارد فورد حيث جاء فيها:
قرأت أن الشعور بالوحدة يشبه الوقوف في طابور طويل بانتظار الوصول إلى المقدمة، حيث تنتظر أن يحدث شيء جيد هناك كما وعدنا. لكن الطابور لا يتحرك ، ويستمر الناس في التوافد و الوقوف امامك، وتصبح المقدمة حيث تريد ان تكون، أبعد و أبعد إلى أن تقتنع لا يوجد هناك شيء. ص177

وجاء في ختام موضوع الكتاب وفي آخر سطرين في آخر فقرة منه الآتي:
ستقول الوحدة قولها من وقت لآخر. وهي شعور ينبغي علينا تحمل مسؤوليته. فعلى الرغم من كل شيء ، انها وحدتك أنت. إذا فهمنا أنها هي وحدتنا وعزلتنا وعلينا أن نكون أكثر نضجا لنتمكن من تحمل مسؤولية شعورنا بها، مع الحذر من أن نتجاوز الحد الرقيق الفاصل بين الوحدة والعزلة ذاك، وهنا يختبر نضوجنا وتتفند مزاعمه.

وآخر البوح … ننصح بقراءة الكتاب فلعل قارئه يجد بين ضفتي ما يجيب على تساؤلاته.. أو فهما جديدا يضيفه إلى قلبه.. فيغدو مثلنا … إنسانا أجمل.

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑