ميرسول.. الغريب.. والعبثية

الغريب..
رواية غريبة في اسمها غريبة في محتواها للحد الذي ملأنا بالدهشة والنفور في آن، ولم ينقذنا من ذلك إلى بثنا عن تفاصيل حياة الكاتب وبصمته في هذه الحياة.. فلم يكن لدينا ونحن نقرا الرواية أي إجابة او استناد نستطيع من خلال أي منها أن نفهم ما خطب “ميرسول” وهو يعلن من السطر الأول في الرواية موت أمه و لا يدري متى!! ثم يسرع في جرنا خلفه في أحداث سلسة – رغم غرابتها – دفعتنا لنقرأ المزيد بينما تتراكم التساؤلات في أذهاننا فور انتهاء سطرا إثر سطر.. عن ميرسول وعلاقاته بالناس من حوله..

فمن هي ماري؟.. حبيبة ميرسول؟.. عشيقته؟.. زوجته المستقبلية؟.. أم حالة آنية من الحب لا يريد لها ميرسول أن تخرج من إطار الآن إلى الأبد؟.. فها هو ذا يخبر ها بأنه لا يحبها.. فتضحك.. وتطلبت هي منه الزواج فيجيبها بلم لا..إذا أي علاقة هذه التي بينهما.. ومن هو ميرسول هذا .. ماذا يريد.. وما خطب ميري..

وما حكاية سلامانو وكلبه الذي اشفقنا عليه أكثر من اشفاقنا على صاحبه ذاته، فها هو ذا سلامانو يدخل الى شقة ميرسول كأنه غمامة أو سرب ذباب، ويتركه ميرسول ينشر طنين سبابه وشتائمه في كل الاتجاهات من حوله ويرحل.. وكأنه ما دخل قط.. وكانه ما كان..!.. لماذا؟

وها هو الجار الآخر لميرسول ، ريمون سانتيز يقتحم حياة ميرسول في موقف مستفز تتبعث منها علاقة غريبة بينهما نسجها ريمون فارتداها ميرسول بلا أدنى سؤال أو تحفظ حتى، بل واعتنق ميرسول هذه الصداقة إلى الحد الذي ورطه فيه ريمون في جريمة قتل ستنهي حياته بمقصلة.. أحقا كانت ورطه..؟! وما هي قيمة هذا الانسان في الحياة.. ما هي قيمة كل ألائك في حياة ميرسول ما هي قيمة ميرسول في حياة ميرسول.. ؟؟

لكن، هنا لا بد من الوقوف قليلا . فالنص الذي يقتل فيه ميرسول الشاب الجزائري، كتب ببراعة مستنا بالدهشة والفضول واللذة في آن، للحد الذي لم تعد تساؤلاتنا تطيق الصبر بعده، بل و تأججت حاجتنا للفهم أكثر.. فكيف يقتل إنسان إنسان آخر لا علاقة له به البتة وهو منصرف تماما إلى الشمس والحر والعرق.. لا إلى السلاح الذي في يده.. ولا إلى الناس من حوله.. ولا إلى الخوف.. الدم أو حتى صوت الرصاص.. نعم فالغريب في هذه الواقعة أكثر أن ميرسول لم يقتل الرجل بطلقة واحدة..!!!

و بعد أن بلغ سيل الغرابة والتساؤل وضوضاء عدم الفهم الزبى، انطلقنا نبحث عن البير كامو فاكتشفنا أن الرواية التي بين يدينا كانت أبلغ درس يعلمنا معنى الفلسفة العبثية.. أجل.. فتغذى الفضول فينا حد الشبع.. وهدأت التساؤلات وتكشفت كل أركان الرواية وزواياها وتساقطت كل اقنعة الغرابة.. فباتت واضحة كالنجوم في الصحراء في ليلة بلا بدر..

وخلاصة العبثية كما وجدنا هي:
انها مذهب فلسفي يُركِّز على الصراع بين البحث الإنساني عن مَعنى في الحياة وغياب أي مَعنى موضوعي في الكون. نشأت كمدرسة فكرية في منتصف القرن العشرين، وارتبطت بشكل وثيق بأعمال الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو.

وهنا بدى كل شيء جاء في هذه الرواية منطقي وإن لم نقبله.. فلقد بتنا نعرف ما نقرأ.. نفهم ما نقرأ.. فالكاتب هنا يلف في أبدية فكرية لا تنتهي قوامها التصارع مع كون غير مبالي سعيا الى ايجاد اجوبة على اسئلة وجودية، فإن كانوا يؤمنون بأن الكون غير مبال.. فأي أجوبة سيحصدونها منه..

و مع كل هذا نصفق للكاتب ونرفع القبعة.. وندعو كل قراء العالم الى قراءة الرواية والاستمتاع بهذا التوهان الصغير العميق اللذيذ.. لم لا..!


			

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑