صمت بصوت الرصاص والمرض

لكن في تلك المصحة لم تكن أليسيا سوى عدد يأكل ويشرب ويتناول أدويته في صمته الأزلي.. ثم يظهر ثيو طبيب نفسي ملحاح.. تصدى لأن يخرج أليسيا من ذلك الصمت، للحد الذي لم يردعه عن الدخول في تحديات ومواجهات مع زملائه العاملين في المصحة، لكن طموح نجاحه في كسر صمتها تجاوز حدود المصحة ومن فيها، فتتبع سيرة عائلتها وحاول مهاتفتهم.. وحين لم يستجيبوا زار بيتهم المتعثر عن اللحاق بالزمن الممتلئ بصراخ امرأة ناقمة عجوز وابن كان أقرب لأن يكون خادم عن كونه ابن.. ولم يترك حمو اليسيا ولا زوجه دون ان ينالهم سعيه وتساؤلاته بل وامتد طوح ثيو حتى بلغ مقر عمل اليسيا واستنطاق شريك أعمالها..

فبدى لنا هذ الطبيب طبيبا إنساناً، نبيل المهنة سامي العزم في معالجة هذه الإنسانة المنسية، لا يرده عن ذلك لا ضرب ولا شتم .. وراودنا أمل نجاح مساعيه.. نعم.. سينقذها من غياهب هذا الصمت والسجن، لكن.. الأمر لم يكن كذلك.. وهنا نصفق للكاتب ونرفع القبعات..

وهنا وعبر سطور هذه الرواية التي ما نكاد نغلق صفحاتها حتى نشتاق لاستكمال قراءتها.. وما أن نشرع في قراءتها حتى سرقنا سطرا إثر سطر واستحوذ على حواسنا.. هنا.. وهذا أجمل ما تفعله بنا رواية نقرأها أو كتاب ما.. تدفقت العشرات من التساؤلات، فطفقنا نبحث.. عن سر صمت أليسيا.. عن تصنيف لوضعها النفسي.. عن دوافع إقدام إنسان على الانتحار وقد بدى من سيرته أنه يرفل في عيش رغيد.. عن الأسرار الكامنة فيما رسمت وترسم من لوحات أليسيا.. عن طبيعة علاقتها بغابرييل.. عن غابرييل ذاته، عن نمط الحب بينهما واسبابه.. عن افتراس الصمت لها.. عن انعكاس سلوك الأم والأب في حياة أطفالهما.. وعن و عن.. فتعلمنا الكثير عن هذه النفس التي سبحان من سواها..

سرقتنا أليسيا وصمتها.. ونسينا ثيو.. إنه طبيب نفسي.. فما الذي يمكن ان يصيب نفسه.. وإن أصابها فإنه طبيبها.. لكن اكتشفنا أن ثيو الذي كان أيضا مثل أليسيا صامتا رغم زواجه وعمله وممارسته التي بدت طبيعية في حياته.. كان صامتا.. صمت عن آلامه العتيقة.. عن الصمت البارد بينه وبين زوجه، حتى أن ألم خيانتها له لم تكسر صمته.. ولم تدفعه للنفاذ بجلده من علاقة لا قيمة حقيقة لوجوده فيها.. أجل لم يخلو ثيو الطبيب النفسي من عللٍ نفسية.. ولم يتشافى بالكامل رغم الجهود الممتدة عبر السنين لطبيبته النفسية معه.. أجل كان يراجع طبيبة نفسية أيضا..

كلاهما.. أليسيا و ثيو، كانا نتاج صدمات طفولة خنست زمنا.. لكنها حين وكزتها شرارة ما حرقت الأخضر واليابس.. فانطلقت رصاصات.. وسالت دماء.. وصعدت أرواح.. وتمزقت علاقات وخِينت أمانة..

ومن أجل كل هذا الجمال ويزيد.. نقف للكاتب أليكس ميكايليديس.. نرفع القبعات.. ونصفق طويلا.. فهذه الرواية في ملتنا كتبت بجمال.. بدقة بتأني.. بوعي كامل لم يغب عن أي صفحة من صفحاتها.. فلا حشو ولا فقد لتسلسل الزمني ولا ترحل لنسيج الحبكة.. و لا فقد لسير الفكرة.. جمال في جمال..

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑