من الذي.. من كان كالبومة.. أعمى..؟!!

 يكشف لنا الكاتب في بداية الرواية عن مزق من نفس أو عقل إنسان يسعى جاهدا، وبما تبقى له من وعي، أن يعيد رتق تلك المزق بالحبر والورق خشية أن يفقد نفسه إلى الأبد.. نفس بدت وحيدة حد العزلة، فأي انسان هو ذاك الذي يحمل ظله أمانة حفظ ما رتق من أشلائه إن لم يكن وحيدا، أم لعله وجد في العالم الذي بناه له الافيون أمانا صدق أنه حقيقي.. وتشبث بحقيقته حتى اعتزل الناس وسكن إلى دهاليز هلوساته وأحجياتها…!

هي هكذا الرواية.. تحملك على التساؤل عما يجري في صفحاتها، بل شعرنا ونحن نقرأ، وعقب أن تجاوزنا الظل الذي كان يلعق الحبر ويمضغ الورق وهو منحنِ على الجدار.. بأننا نقف على كتف بطل الرواية.. ندقق في تفاصيل رسمته اليتيمة على المقالم، نشعر بقشعريرة جسده من ضحكة الرجل العجوز.. نرى تفاصيل المرأة التي يراها وعينيها السود الواسعتين.. ونشم عبير زهرة النيلوفر.. ونراقب اللحام ونجلس بقرب الحانوتي ونتفكر في شجرة السرو وفي البيوت المنشورية والمكعبة.. والجبال المثلمة.. ونسمع خرير النهر وهدير.. ونلعن زوجه ونشجب خبثها.. ونشهق من منظر الدم المسفوك ونشتغشي ثيابنا والسكين ذات المقبض العظم تفرق أوصال امرأة.. وننصت إلى عجائب قصة أبوه وعمه وراقصة المعبد الهندي أمه.. ونرثي يتمه.. ونستنكر قصة زواجه.. ونستبطئ ظهور البومة وسر عماها وهي كائن الظلام مرتعه ومعاشه، ولم ننفك نتساءل.. كلما قرأنا أكثر ما الذي يجري حتى النهاية..

ثم اعدنا القراءة مرة ومرة.. فبدأنا نلتقط المفاتيح من النص.. مثل عبارة “هل يصل أحد في يوم من الأيام إلى أسرار هذه المصادفات الغيبية وهذا الانعكاس لضل الروح الذي يتجلى في حالة الاغماء عند البرزخ الذي يفصل بين النوم واليقظة؟” أجل.. التفتنا إلى أن ظله وعمه والحانوتي وبائع الخردوات واللحام، متماثلين في بعض الاوصاف الجسمانية وبعض الافعال.. كالظهر المحدودب والشفة المشقوقة وشعر الصدر.. وكذلك يرتدون ما يشبه زيا موحدا فيه عمامة ووشاح عنق ورداء وللبعض منهم ضحكة تثير القشعريرة وشفة مشقوقة..وعلى امتدا النص كان يتوالى ظهورهم.. وأحيانا بظهرون في الوقت الذي يكون فيه البطل بحاجة ماسة للمساعدة تماما.. ثم تأتي الصفحات الأخيرة من الرواية فنشاهد تلك الأوصاف والملامح في شخصيتين يحضرن معا واحدة مثلت البطل نفسه وقد تغطى بالدود والدم المتخثر، وأخرى تهرب بالإناء وتتعثر بالظلام..!! من كل هؤلاء.. لماذا يبدون انسانا واحدا..؟

وبدى لنا في الصفحات الخمس الأخيرة من الرواية، حيث تصاعدت لذوعة الاحداث وتداخلات شخصياتها.. أن الرواية تنزع الأقفال عن أسراها.. فها هو ذا بطل القصة يتسلل إلى غرفة المرأة الجميلة المظلمة.. وها هي ذي تعرفه في وسط الظلام فتأمره بأن يحل وشاح عنقه.. وفي طريق اقتربه . يرى انعكاسه في مرآة.. فيهلع ويستنكر ثم ينفجر بالضحك حتى اهتز كل كيانه وليس كتفيه فقط!.. وهاهم ذا.. كل الائك الرجال الذين تحدث إليهم.. وشاهدهم.. واستعان بهم يملكون نفس ملامحه المنعكسة على المرآة ، بل وثيابه الرثة التي تشبه ثياب ناسك هندي.. بل وهيئة جسده..!!

جسده الذي يكتشف أنه مخضب بدم متخثر.. و الدود متعلق به والذباب الخنفسي يدور حوله.. وفي يديه علقت عيني المرأة الكبيرتين السوداوين..!! المرأة التي دخل معها -قبل هذا – في مشهد ظاهره حب وحقيقته ملحمة ناعمة قاسية، اختلط فيها كل ما تضاد من مشاعر طرفيها حتى سكنت السكين ذات المقبض العظم في جوف المرأة فسكنت حد البرد.. واقشعرت ابداننا نحن.. وزغردت الحيرة والدهشة في عقولنا والقلوب..!!الم يقطع تلك المرأة ويضعها في حقيبة اثقلت صدره.. ألم يساعده الحانوتي في موارات سوأته هذه..!!

في نهاية الصفحات الخمس ختمت الرواية بلحظة صحوة.. وذاكرة تبحث عن إصيص مدينة ري.. ونفس ترمقه تحت إبط رجل أحدب يلف راسه ووجهه بوشاح عنق ويضحك ضحك جافاً منفراً يقيم الشعر على الأبدان.. ثم يتلاشى في الضباب متعثرا ربما بضحكته.. بينما بطل الرواية ينظر إليه من نافذة حجرته المطلة على الزقاق بلا حيلة.. والدم المتخثر يغطيه من قمة رأسه حتى أخمص قدميه والدود والذباب..!! ما الحكاية..؟!!

الحكاية هي .. أن الرواية ما إن تنتهي حتى تبدأ من جديد.. فتسرد حكاية إنسان من فرط الألم خلق له واقع كان هو بطله.. وظله فيه سنده.. واستبدل الكلمات بالشخصيات.. وتشكل مخاض عواطفه في زمرة من نساء اختزلن الحب.. العناية. الخيانة واللذة.. ولوّنَّ أحلام الطفولة.. وأمنيات الصبا بعبق السوسن وجمال النيلوفر وعذوبة الماء.. وبثثنَ دفئ الليل ولهيب الحقيقة في ظلمة الغرفة والقلب والعيون.. أجل خلق بطل الرواية لنفسه بنفسه.. عالم لم يكن فيه سوى إنسان واحد وروايته وظله..

وما إن سكنت أنفسنا إلى هذا حتى وقفنا.. ورفعنا القبعات.. وصفقنا لصادق هداية مبدع هذا الجمال طويلا.. تصفيقا لم يفلح ضجيجه في وقف سيل التساؤلات في عقولنا.. فلماذا كان اسم الرواية البومة العمياء؟!!.. من كانت البومة والمرأة التي جسدت العشق والخيانة والضعف والانتقام كانت ذات عيون سوداء كبيرة.. وللبومة عيون سوداء وكبيرة!.. وتلك المرأة كانت تقترب من بطل الرواية في الظلام.. والبومة تنشط في الظلام!!.. لكن كيف يكون حال من ينشط في الظلام وقد فقد عينيه كالبومة التي تحمل الرواية اسمها؟!!.. أم أن كل ذلك يعبر عن ذات البؤس والعمى والظلام.. حتى الظل!.. ولا تزال التساؤلات تنساب..

البومة العمياء.. رواية لا تنتهي منك..إنها تبذر في نفسك كلما عدت إليها تصورا مختلفا عن معانيها وتساؤلات.. وتجعلك تتمنى لو قرأتها قبل أن ينهي صادق هداية حياته في فرنسا.. ويبنى له قبر مختوم ببومة.. كأنها شاهد على عبقرية لم تحتملها الحياة حتى تركتها فاختارت أن تترك الحياة .

8 رأي حول “من الذي.. من كان كالبومة.. أعمى..؟!!

اضافة لك

  1. حروف وكلمات وجُمل ولكنها اشبه بقطع صغيرة من هنا وهناك شيء من روحه وذاكرته تأخذك لتعيش بداهاليز روح الكاتب تدور معه في حيرتِه وألَمِه، أسلوب كتابة ذكي وفريد جداً وجميل جداً وأيضاً محزن جداً.

    إعجاب

  2. تحليل جميل وفيه بعد استوقفتنى هذه الرواية هل هو تشاؤم من البومه سؤال يطرح نفسه ماذا كان يرى الكاتب فى البومة اى رمزية فى اى رواية يكون لها خبايا من خلف ستار قلم الكاتب هل تعرض الى الخيانه لماذا انتحر واشياء تظل رواية بغموض عيون البومة قرأتها واتمنى اعيدها مرة ثانية حتى اصل الى فكر الكاتب

    Liked by 1 person

  3. كانت أولى قراءاتي لصادق هدايت، لكنها علقت ذهني طويلا..بساطة لغتها كانت تخفي وراءه عمقًا قاسيًا لا يُنسى، كمن ينظر في مرآة مكسورة!!!!

    تجربة قرائية لا تشبه غيرها…

    إعجاب

  4. كانت أولى قراءاتي لصادق هدايت، لكنها علقت في ذهني طويلا..بساطة لغتها كانت تخفي وراءه عمقًا قاسيًا لا يُنسى، كمن ينظر في مرآة مكسورة!!!!تجربة قرائية لا تشبه غيرها…

    إعجاب

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑