يحكى أنا في أغسطس الماضي شاهدنا هذا الفلم.. اخوة ليلى.. عرفتنا حبكته على واقع الإنسان الإيراني في هذا الزمان ، فالفلم يتناول حياة ليلى واخوتها الأربعة و والديها الطاعنان في سن..ورأينا أن ليلى لم تكن تحب كل احد في هذه العائلة لكنها ولسبب نكاد لا نعرفه تعتني بكل احد.. ترعاهم وتتدخل لحل مشاكلهم ولحمايتهم احيانا وكلهم بالغون راشدون.. اهتمت ليلى بكل احد إلا هي وأحلامها وصحتها ، الأمر الذي منعها من أن تحب حتى نفسها.. فلقد وجدناها طوال الفلم في محاولة جاهدة لإنقاذا اخوتها الذين يقفون جميعا على هاوية فقر مدقع لم ولا يشبع من التهام آمال شباب بلادهم وأحلامهم.. بل و حتى حياتهم بكل ما تحمل كلمة حياة من معاني..
واعتزمت ليلى بكل ما اوتيت من حب أن تنجي اخوتها من الفقر بحلم، فدفعتهم دفعا إلى شراء محل في مول تجاري تعمل فيه.. لكن كان ثمن اكتمال ذلك الحلم هو أن يفقد أباهم حلمه وكرامته وقيمته أمام عائلته ، عائلته الكبيرة الممتدة التي لا تشمل بأي قدر كان أي احد من ابنائه وخاصة ليلى.. ليلى التي خاضت معركة لا ناقة لها فيها ولا جمل وبذلت في سبيلها كل ما ادخرت خلال سني عملها من مال حتى تنتصر .. ووقفت في زاوية بعيدة غارقة في فرحة بعد ان ظنت أنها حققت النصر فالحلم.. فرحة بمشاهدة اخوتها يحصلون على المحل ويسجل بأسمائهم دونها.. وبتوقيع اخيها (علي رضا) الهارب منذ ثمان سنين من فقرهم وفوضى معيشتهم الى الكدح في احد المصانع والعائد مرغما الى اهله بعد فوضى فساد اطاحت بالمصنع وعماله..
يلطخ الفقر جدران بيت ليلى واخوتها ويموج في فوضة عارمة كبدت ليلى شبابها وصحتها ، والرضوح لسحق حلم زواجها بحبيبها.. او بأي رجل اخر.. بل حتى الحلم الذي تكبدت حمل شعلته العنيدة بيديها سحقه في هذا البيت أيضا.. حلمها الاخير كان أملا في أن تنقذ إخوتها من الفقر.. إخوتها الذين تثاقلوا عن حمل شعلة الحلم تلك.. بل وسرعان ما أرهقتهم في الوقت الذي كاد أن يتحقق ذلك الحلم.. فتركوها تسقط على رأس ليلى.. وعادوا الى خيباتهم .. وعادت ليلى إلى ضم خيبته الجديدة إلى اخواتها وطفقت تعتني بهم جميعا .
،كان كل ما تفعله ليلى لأجل اخوتها في كفه والمقت الطافح في علاقتها بأمها في كفة اخرى، ولسنا ندري هل لأنها حملت بها سفاحا أم فقط لأن ليلى ولدت انثى.. فألام كانت تفضل الاولاد على ليلى وتفضل الأب عليهم جميعا.. وجميعهم يفضل الأب على ليلى .. وليلى تفضل اخوتها على أمها و أبيها.. والأب لا يفضل إلا نفسه عليهم جميعا..ولم يشفع لليلى عند احد كشفها سر ثراء ابيها وتحالفه العتيق المتين مع الفقر ضدهم جميعا.. لا احد.. فعادت حيث كانت تجر اذيال خيبة.. تخدم الجميع وتلتقم الصمت..
في هذا الفلم تفسخت جثة المجتمع واندلقت كل مساوئه أمام أعيننا.. فهاهم ذا الطبقة الغنية من المجتمع (عائلة ابو ليلى) تتشبث بعادة مشوبة بالنفاق والكذب ومزينة بليرات الذهب.. موسومة بالرفعة الاجتماعية فالاحترام تلزم زعيم العائلة بمنافسة من قبله في تقديم هدية الزواج من ليرات الذهب.. الزعامة حلم ابو ليلى.. الذي آمن بها وسعى حثيثا إلى نيل مقامها غير ملتفت إلى الرقاب التي يدوسها في سعيه الخاوي..إلا من غروره.. حتى رقبته لم يلتفت إليها وهي تداس على الملأ مرة بعد مرة.. فجعل يجمع المال ويكذب في شأنه أملا في نيل زعامة العائلة التي ساومته على الزعامة بالذهب وحرمته ليلى منه بالتواطئ مع اخوتها الذين وعلى الرغم من دموع القهر في عينيها تخلوا عن الحلم (محل في المول) واسترجعوا اموالهم.. و انطلقوا في رحلة خيبة بدون ليلى ليعيدوا إلى ابيهم حلمه (زعامة العائلة).. وما عاد الحلم ولا عادت الليرات..و تسربت الأمل من قلب ليلى بعد تشققه وتسلل عبر الشقوق غضب عارم، تجمع في كف ليلى وهوى به على صدغ أبيها.. فانطفأ هذيانه ابيها ولملم حلمه (زعامة العائلة) وخنس..
ثم تأتي الخاتمة.. فنشاهد حفل ميلاد الحفيدة.. الفرحة الوحيدة التي اتفقت عليها هذه العائلة.. فرأينا طفلات يرتدين فساتين بيضاء.. ذكرتنا بالأب في بداية الفلم وقد حمل قميصه الأبيض ومكينة حلاقته وأهرق ماء وجهه ملحا على ابن الزعيم الراحل (بيرم) بضرورة نقل الزعامة إليه، فهاهو ذا الحداد على الزعيم الراحل ينتهي اليوم وسيرتدي جميع رجال العائلة معا قمصانا بيضاء بعد قص لحاهم الكثة الطويلة إيذانا بذلك.. لكنهم تجاهلوه.. فاشترى قبولهم بوعد مدجج بأربعين ليرة ذهبية وكرامته والحياة الكريمة له ولعياله..
تملأ الزينة المكان.. والموسيقى تصدح .. والفتيات الصغيرات مرتديات الابيض من الثياب يتوافدن.. والأب أيضا كان يرتدي قميصا أبيضا جديدا.. ولسانا جديدا راكدا لا يحشر نفسه في شؤون الآخرين، نزل الاب ببطئ وجلس على كرسيه الذي بات سريره أيضا خشية من خذلان جهاز تنظيم ضربات القلب له إن استسلم للرقاد باستلقاء تام.. بل إن ذلك الكرسي كان خازن أسراره أيضا.. الأسرار التي كشفتها ليلى في ثورة قهر.. قلبت حال الجميع في ذلك البيت لكنها لم تشفي جراحهم.. لم تحقق أمانيهم.. كل ما اسفرت عنه تلك الثورة لم يعدو سوى نزعت أردية الزيف والأنانية من على كاهل الأب حتى خنس..
مات الاب في لحظة حفلة الميلاد تلك، على ذلك الكرسي منقذ الحياة وخازن الأسرار ذاته.. أدرك (على رضا) الخطب.. فذهب حبوا إلى الكرسي.. وضع رأسه على صدر أبيه كما فعل يوم عاد من غياب السنين الثمان،وأخذ السيجارة من يد ابيه وشربها مختنقا بالبكاء.. وتنبهت إليه ليلى المنهمكة في الخدمة ثم قام مع بنات اخيه (بارفيز) ورقص بوجه تتخالط فيه المشاعر بإتقان اعجبنا..
لم يشعر بما يجري سوى ليلى وكان هذا دأبها.. تشعر بالجميع.. ولا احد من الجميع يشعر بها.. سكبت ليلى دمعة يتيمة لم ندري لماذا انسكبت.. وتفتحت على شفتيها على هون ابتسامة حيرتنا.. وانتهى الفلم بالرقص في حفل الميلاد ودمعة ليلى ورقص (علي رضا) وموت الاب..!
هكذا ينتهي الفلم الذي بدأ بعائلة من سبعة اشخاص مروا بثورة ناعمة.. بددوا بأيديهم مكاسبها.. تلتها ثورة عارمة تلقى فيها الأب صفعة من ليلى.. ليلى التي استنجدوا بها حين تحمل اخيها (مانوشهر) مسؤولية نصب فساعدته بالهروب خارج البلاد بعد ان دفع أصغرهم (فرهاد) هويته (جواز سفره) ثمنا ووأد حلمه.. و اتكأ (علي رضا) على المعونة الاجتماعية وبقي (بارفيز) يبتز دخلي الحمام الذي يعمل في تنظيفه بينما تعمل ليلى في ادارة المول الذي يحتويه..
حكاية هذا الفلم تشبهنا باستثناء الفقر.. أو ان الفقر هنا ليس نقص المال فحسب.. بل فقر المفاهيم وممارستها.. مفهوم الام والاب والاخوة.. مفهوم الحب والاستحقاق.. مفهوم الحلم والامل.. مفهوم الصواب والخطأ.. مفهوم الأولويات.. الرحمة.. الرضى.. الجمال.. الحياة ذاتها .. و إلخ
وآخر البوح..
ولقد تركنا هذا الفلم نتساءل.. وماذا بعد.. ولماذا..
وما الصواب وما الخطأ ..
وعن ماهية شخصيات أبطاله كلهم..
وشعرنا بأن الترجمة خانته
وقيمناه 4 ونصف من خمسة..
وندعوا الجميع لمشاهدته.. لبداية رحلة قصتهم معه..


أضف تعليق