أمسكت هذه الرواية بتلابيبنا من أول سطر وسلمتنا إلى بطل روايته ( أمين ) ليبحر بنا بدوره – وعبر فصول الرواية – في غياهب مقامات الأولياء ومريديهم، حاملين وحامين أسرار الخلود وبركات الشفاء من الأسقام.. وسر الخلود المكنون في السرة ( تشبه ثمرة الخروب ) التي يقدمونها لابنة الولي ( حليمة ) أو تقطفها هي بيديها.
وبذلك يخرج عبده خال من ما ووري تحت البلاط الاجتماعي اللامع ، صورة جديدة فكرة تحولت إلى عقيدة تجلت فيها سطوة اليقين على العقول حد الخضوع الأعمى والحب، اعتنقتها فئة اجتماعية، تتكئ في خضوعها ذاك على إيمان عصي الزعزعة، لم يزعزعه حتى تفشي نتن جثة الولي ( أبو حليمة ) ولا شكوى الناس منها ولا حتى كل ذلك العطر المراق على القبر، كانوا يؤمنون بأن جثة الولي لا تتحلل.. فهو خالد!
تصدمنا حليمة في مطلع الرواية وهي تقلب جثة أبيها وتنزع من بطنه سرته وتحفظها في برطمان ذو سائل معكر.. مثيرة بفعلها ذاك وما شابهه عشرات التساؤلات في عقولنا كلما بزغت في مشهد ما.. حتى مشهد موتها غرقا في السيل.. موت ذهبت إليه برجلها المحجلة بإيمانها الغريب الراسخ.. ماتت وتركتنا حتى آخر سطر في الرواية نتساءل، ما سر السرة.. وما هو سر الخلود.. وكيف لم يتزعزع إيمانها والنتن اضطرها إلى التنقل من حارة إلى أخرى في حالة شتات لطخ سبع منازل تاركا لطخة في نفس( أمين ).. الحفيد المختار.. فضاع بدوره بين مصير محسوم على يد جدته ( حليمة ) ومزكى من أمه ( أروى) ومصير آخر حاول هو تحديد وجهته حد التيه.. ( حليمة ) قوية الشكيمة تلك، مخلصة الولاء لإيمانها بالولي ذاك.. قوة وولاء أشعرنا بانها تعيش في كوكبها في كوكبنا.
أما ( أمين ) ذلك الشاب الشاهد على رائحة النتن والترحال والحيل العظيمة التي أخرست بها جدته ( حليمة ) كل عقل يظن إنه أكمل من أن تخدعه حكاية اللصوص.. والأعداء رامين جيف الحمير والكلاب في حوش البيت.. ذلك الذي استسلم لتنفيذ رؤية جدته حليمه فدفنته في قبر جده لتستعيد سرته
جنح إلى القراءة في التاريخ في الشعر في الأدب.. فبات مخزونه من القراءة ذاك قبلة العشاق في حارتهم.. هم يصبون في أذنه لواعجهم ويحولها هو بدوره إلى رسائل رفيعة المستوى.. حتى كاد أن يكون في كل بيت في الحارة عاشقة داعبت كلمات أمين أحلامها بإسم عاشق آخر..
حتى مس ( أمين ) من هكذا عشق.. عشق الوقوف أمام بوابات مدارس البنات وخطف نظرة أو دقيقة ورمي كلمة مرة ورسالة مرة اخرى.. وهكذا فر ( أمين ) من حلم جدته المحكم المستحيل.. إلى حلم مستحيل آخر.. حلم الزواج بلمياء.. سليلة جامعي الدرهم والدينار.. فحمل جرح هذا الحلم في صدره وأغلقه.. وغرق في القراءة ودراسة القانون.. فتضعضع الحلم المستحيل الثاني فأقبل الحلم المستحيل الأول على كون( أمين ) والتهمه بعد أن دحرجته الأحداث من مدرس – كانت ذات المدرسة التي شهدت أسوارها على حبه الأول ( لمياء) حد السأم – ثم كافأته بالعمل وفق تخصصه ( قانون ) فاكتشف سر أبيه ( طاهر) وقصة حبه أيضا..
إذا هكذا رأينا الحب في الرواية يتدفق من كل الشخصيات كلا وفق طريقته .. متعددة كانت أو حديثة قديمة نقية ملطخة مجنونة أوموسومة بالغيبيات.. من عاشق حد تمحور حياته حول خدمة للمقام (سلطان ومها) إلى خالة أمين ( سمية ) التي كانت ضحية صارخة لتشدد الديني والمجتمعي.. مرورا بامين وطاهر و أروى وشباب الحارة .. كلهم كانوا طرائق عشق.. وعلى رأسهم كانت حليمة عاشقة الولاية.. حامية إرثها حاملة اسرارها..
الملفت في هذه الرواية هو ولادة رواية منفصلة عنها وهي فيها.. والقصد بذلك رواية سمية ابنة حليمة خالة امين.. المرأة التي أحبت نفسها في زمن لا يلقي لمثل هذا الحب بالا ولا وزنا.. ولا يفهم أن المرأة كائن حر تكسر حريته نمط الزواج الازلي.. ويختار نفسه في كل علاقة بجسارة .. مثله..لكنهم لم يروا منها إلا كونها امرأة يتناقلها الرجال.. وحين عجز الرجل الذي يعب مكاسب الدنيا بالآخرة (توفيق) عن تذوق لحمها حرض ضدها لحمها فارغ العقل (ابنها كرمان) حتى قتلها بإسم أكثر ما تقتل باسمه الكثير من النساء عبر الزمن ..أكذوبة العار والشرف.. سحقا..
وفي النهايات.. تخلي امين عن كل شيء .. وعودته إلى الغرق في الكتب.. والحاح طاهرة حبيبة ابيه الأولى قبل أمه.. على أن تزور الضريح الساكن في فناء دارهم المقام باتجاه القبلة.. القبلة الثانية لكل الذين اقعدهم القنوط عن طلب النجاة العون الشفاء من الله فاختاروا أن يكون بينهم وبنه سبحانه وسيطا (الولي) آمنوا بأنه قناة استجابة فنسوا الله وأخلصوا للقناة (الضريح) باسم الله..!
تخلى امين عن كل شيء وقعد في البيت يستمع الى ما يصدح به ياس الخضر.. يقرأ الكتب..ويشفق على أمه التي حملت من بعد امها حليمة أمانة تسليم راية الضريح النقشبندي إلى أمين.. فرضخ.. وسر قلب أمه..
وتختم الرواية بمشهد مهيب لا بد أنه سر أفئدة المريدين وعظام حليمة الحالمة بامتداد حمل راية أبيها وإرثه.. لقد نهض السيد المبارك بعد ان حفرت كائنات ما قبره بالمجاديف.. ظهر أمام أمين رغم النتن بعد موته .. ورغم ما بقي من عظام في مدفنه.. ومد يده بسرة أمين مغلفة تماما كما أهداها ذات يوم غابر إلى لمياء.. وقال: عجبت منك ومني يا منية المتمني.
وانتهت الرواية ولم ندرك بعد.. ما سر السرة.. وهل لها ارتباط بالمصير.. بالنهايات.. ام بالروابط بين افراد العائلة أم باقدر.. أم بماذ يا عبده خال…
و آخر البوح..
إن لسرد عبده خال موسيقى.. ولشخوصه المعبئين بالمفاجئات نبض حياة لا يعرف النسيان طيه.. ولمواضيعه رجع صدا حقيقي حد الوجع..ولكل ذلك في قلوبنا بهجة..
ودمتم سالمين


لطالما حاولنا فك احجية الشخصيات و لكن في هذه الرواية وجدت نفسي احاول فك احجية ارتباط الكاتب بهذه الشخصيات.. لأول مرة أرى شخصيات تخلص منها الكاتب من روايات أخرى.. اجتمعت لتشاكس فكر الكاتب بعتب كبير .. الخذلان ..لاشيء يؤلم بقدر الخذلان .. خذلان الكاتب.. القارئ.. و الشخصيات..قد يظن البعض انني شطحت عن الرواية ..و لكن خلف كواليس الرواية رأيت رواية أخرى ..رواية اخفاها الكاتب في أعين الشخصيات.. رواية تشعرنا بألم و لا نستطيع تحديد مصدره و مكانه
إعجابLiked by 1 person
جميل.. ولم تبالغي وإنما قراتي الروية بعمق كشف لك عن اسرارها.. طبقاتها.. الحكاياة المتوارية في زواياها.. ولعمري هذا أمر عجاب مثير للدهشة..
الامر الذي يفتح امامنا زوايا جديدة فيما نقرأ .. فشكرا لك..
إعجابإعجاب