
جوانا.. بطلة رواية الرائعة كلاريس ليسبكتور: قريبا من القلب المتوحش، توحش كان يتكشف لنا كلما قرأنا في الرواية أكثر.. وكلما قرأنا أكثر أدركنا أن التوحش الحقيقي- بما نفهمه نحن من معنى- لم يكن في قلب جوانا.. بل كان في كل تلك القلوب التي -من فرط أنانيتها وجهلها أيضاً- وسمت تلك الفتاة بالتوحش.. ابتداءا من اب سريع الضجر منهمك في كل شيء إلا جوانا.. وانتقالا الى العمة التي بدى وكأنها ورثت جوانا يوم مات الأب، ومرورا بالمعلم الذي يمكن أن نستثنيه، لأنه كان على الأقل يتحاور معها وإن استعصى عليه فهمها، وانتهاء بأوتافيو زوجها الخائن..
كل شيء كانت فيه جوانا أو بدر منها.. كان يعزز ذلك الفهم فيهم، ابتداء من صمتها وشرودها وانتهاء بكل شيء آخر يخصها.. جوانا التي كانت تستشعر وتتفكر في كل شيء نعرفه ولكن ببعد لا ندركه، وبدقة نستتفهها نحن.. كالضحك.. كالموسيقى.. جوانا التي وصف قلبها بالتوحش فقط.. لأنها مختلفة.. ولم ندري حتى ختمنا قراءة الرواية لماذا هي هكذا.. هل فقد الأم هو السبب.. هل الوحدة التي عانت منها إلى حد الاستغراق في تأمل الأشياء.. الكائنات.. والانصات إلى الأصوات.. هي السبب.. لسنا ندري.. ولعل في عدم الدراية هذا يكمن سر تفرد هذه الرواية..
جذبتنا شخصية “جوانا” وأيقظت كل جنود التفكر والتحليل في النفس منا والعقول مع قراءتنا لسطر الأول من الرواية.. وجعلتنا بلا وعي نحاول جاهدين -كما اعتدنا- أن نحاصر شخصيتها بإطار من أطر خبراتنا المتراكمة في فهم الشخصيات وتفكيك تركيبتها.. فحبسناها-بداية- في إطار التوحد؛ فتلك الفتاة التي تفكر في ما يشمه الدجاج من الأرض حين يأكل.. وتردد صوت جرس الساعة “دن دلن“.. وتنصت إلى ثرثرة الخزانة : “ملابس .. ملابس.. وتصنع رجلا من ورق كان يخاطبها كالملكات و يعلن “أنا في خدمتك أيتها الأميرة، شبيك لبيك ” ليست عادية..! وازداد يقيننا بملاءمة إطار التوحد لها أكثر حين “ارتفعت على أصابع قدميها “خطت خطوات راقصة خفيفة جدا ومجنحة”
ولكن، وكلما قرأنا أكثر تشظى ذلك الإطار وتساقطت أجزاءه حتى تحررت منه جوانا. فأغلقنا الخزائن وسلمنا مفاتيحها إلى كلاريس ليسبكتور ومددنا أذرعنا إلى جوانا في استسلام تام.. فلتعبر بنا السطور والفصول.. ولنتعلم منها.. ونتعلمها..
وطفقنا نغطس في ذلك العالم الذي كان يفرض حضوره في واقع جوانا كأنه إغماءه قصيرة يقترفها عقل جوانا، لعله يحميها من أذى أكبر.. فيغيب بها في عالمه، حيث لا يعرف أحد حقا ما يجري فيه، ولا يشبه بدوره أي شيء من ما ندركه نحن في هذا العالم، أوفي عوالم ما قرأنا -قبل هذه- من روايات..
وعلى مدى 223 صفحة استمر ذلك الترحال بين العالمين، عالم يأسر جوانا ويعطل كل شيء فيها، وعالم تأخذنا هي إليه، وفيه تفيض جنباته بحكمة خفية وبفلسفة استعصى علينا فهم البعض منها..
كانت جوانا تعيشها كحكايات منفردة تنداح وقائعها بين التراب والدود و البحر والرمل والنجوم والسماء والضباب والضياء والهواء والعشب والحب والسكينة واليأس والهرب من اب إلى عمة إلى زوج.. ورجل.. والخيال.. جوانا كانت تقتات على الخيال.. فأي قلب هو ذاك الذي يهرب من الواقع لائذا بالخيال حتى بات الخيال واقعه.. أمتوحش هو؟
واللافت في الأمر أنه حين يظهر صوت الرواية في النص فإنه لا يخرج ابدا عن إطار بناء شخص جوانا.. بل يعززه.. يجري في مساره.. إلى الدرجة التي جنح بها يقيننا إلى أن جوانا هذه ليست سوى كلاريس نفسها.. كلاريس التي تدخلت في النص كصوت آخر يتحدث إلى جوانا أحيانا.. جوانا التي كما ذكرنا آنفا.. لا ترى كما نرى.. لا تشعر كما نشعر.. ومثال على ذلك نذكر وصف الكاتبة لحال جوانا مع واقع موت أبيها.. وخيانة زوجها، وحين وصفت الموسيقي بأنها “صنف من التفكير” …
وآخر البوح..
الحديث عن هذه الرواية التي نؤمن أن قراءة واحدة لا توفيها حقها في القراءة لا يمكن أن يحتويه مقال واحد.. ولا سويعات تفكر قليلة.. لكننا سننقل هنا بعضا من ما استوقفنا في هذا النص البديع.. ولو كان في الأمر سعة لملأنا هذه الصفحة بالمقتبسات من الرواية.. لكننا سنكتفي بالآتي:
أليس في الشر وحدة يمكن للإنسان التنفس من كون خوف، قابلا الهواء ووبراتيه؟ حتى اللذة بعينها ستكون عندي في ذروتها اذا ما كانت نابعة من الشر، فكرت متفاجئة. شعرت بوجود وحش في داخلها، مليء بالتناقضات والأنانية والحيوية ” ص 17
تنفست هواء المساء الدافئ اللطيف، أما كل ما كان ظمآن فيها فظل متوترا وصلبا مثل شخص معصوب العينين بانتظار طلق ناري” ص 36
يستوعب الخيال مستقبل الحاضر ويستحوذ عليه، بينما يظل الجسد هناك في بداية الطريق ، يعيش بوتيرة أخرى، أعمى من تجربة الروح ” ص 46
صمت الكراسي الانيقة غير المتحركة، تواصل مع دماغها ببطء… ص67
ونختم بتلك المناجاة التي كانت بين جوانا والرب: .. “ويا ربي لماذا لا توجد في داخلي؟ لماذا جعلتني منفصلة عنك؟ يا ربي تعال إلي، فانا لا شيء، وأنا من التراب وانتظرك في النهار والليل، ساعدني، فلست أملك سوى حياة واحدة وهي تنزلق من بين أصابعي وتسير إلى الموت بهدوء ولست قادرة على شيء، كل ما أفعله هو مشاهدة استنفادي مع كل دقيقة تمر.. أنا وحيدة في العالم ومن يحبني لا يعرفني ومن يعرفني يخشاني وأنا صغيرة ومسكينة… “ وتستطرد جوانا في مناجاة الرب في فقرة تحتل ثلاثة أرباع الصفحة 220 إلى أن تصل إلى قول: من الأعماق أدعوك، وأنت لا تجيب ويأسي يجف مثل رمال الصحراء وحيرتي تخنقني، حقرني يا إلهي ، فهذه الكبرياء بالبقاء على قيد الحياة تلجمني ، أنا لا شيء، من الأعماق أدعوك، من الاعماق أدعوك، من الأعماق أدعوك، من الأعماق أدعوك،…”
ومن الأعماق ندعوكم إلى قراءة هذه الرواية..من الأعماق ندعوكم.

رغم ما في الرواية من صعوبة تربك، إلا أنها تثير فضول القارئ وتضعه في مواجهة تحد مزدوج، نفسي وفكري في آن واحد. والأجمل من ذلك أن تقرأ عنها مراجعة بالغة الإنصاف، كتبت بقلم واعي و ذائقة رفيعة، فتمنح النص ضوءا إضافيا لا يفسده بل يكشف طبقاته.
إعجابإعجاب
أن تترك مراجعتي للرواية هذا الاثر الرائع في فكر قارئة مثلك .. فذلك لعمري عين السرور والظفر.. ونعم مثل ما تفضلتم.. رواية تثير الفضول وتثير النفس والفكر.. لكنها بمعية السجاليات أمثالكم سرعان ما تسلم إلينا مفاتيحها وتشرع لنا أبواب فهمها فتتدفق المتعة من كل حدب وصوب.. شكرا على جميل مروركم..
إعجابإعجاب