أي خوف هذا الذي يعتري العناق.. من يخاف من العناق.. أهناك عناق مخيف حقا..؟؟
ما جاء آنفا تسائلات اعترتنا حين عانقت اعيننا عنوان هذه الرواية التي صحبتنا في شهر مايو الماضي.. فضول طل برأسه من هنا وهناك.. ما هذا العناق الذي يخيف..
“إن عانقتك فلا تخف” رواية تحمل في جنباتها تفاصيل رحلة قام بها أب محب مع ابنه “أندريا” المتوحد على ظهر دراجة .. وما كانت تلك الرحلة إلا رغبة من قلب أب في أن يحصل إبنه الذي لا يجد مكان يناسبة ليقضي فيه إجازته الصيفية.. فكيف لطفل متوحد أن يذهب في رحلة تخييم مثلا مع ثلة من أقران لا هم بفاهمينه و لا هو..؟!!
رحلة سردها أب “فرانكو أنطونيللو” وسطرها كاتب إيطالي ” فولفيو إرفاس” في رواية بعذوبة لامست شغاف قلوبنا.. فالكاتب ابتعد عن التفاصيل الكثيرة وركز على كم من الهواجس والمشاعر والأمنيات والأحلام والمخاوف.. باقة من الأحاسيس.. اجتاحت قلب ذلك الأب خلال تلك الرحلة التي نشد فيها الحرية.. الحرية من الخوف على أندريا من أن يتيه يوما في الزحام إلى الأبد.. والخوف عليه من بعده.. الحرية من جلد تلك الأمنيات لقلبه يوما بعد يوم.. الحرية من وطئ التردد على عشرات الأطباء على عاتقه.. الحرية من طلب “أندريا” من أبيه أن يشفيه.. لعل هذه الرحلة تشفيه…!
أثناء تلك الرحلة يتعرف أبا “أندريا” على أشخاص جدد ما بين مستاء من سلوك ابنه الذي يقبل من يصدف من الناس ويتلمس بطونهم.. وبين مبارك له على هذا الملاك الذي يرعاه.. ونتعرف نحن على نمط من سلوك المتوحدين وزخم ما يحتمل آبائهم من مشقة بدن ونفس..
كل ما كان يطمح إليه أبا اندريا من رحللته تلك أن يفهم إبنه.. أن يجد بابا ما.. ثغرة ما .. ينفذ منها إلى عالم “أندريا” فيشعر به.. يصل إليه.. يطمئن إلى أن ابنه يعي كم أبوه يحبه وكم بذل من جهد “ليشفيه”.. تخيل أن تستيقض كل يوم لتجد ابنك الذي تحب إنسان آخر يختلف سلوكه معك عن الأمس.. تخيل!!
الحب كان حاضرا في الرواية.. ولسنا نعلم أيمكن تسمية علاقة الأجساد التي نشأت بين أندريا وانجيليكا حبا.. فلقد تصاحبا وقضيا ليال معا ولكن.. كيف لحب كهذا إن سميناه حبا أن يستمر و أحد الطرفين هائم فس سكرته والآخر حاضر غائب متغير متجدد محدود الكلمات غريب رد الفعل “اندريا”.. ؟؟
“أندريا” كان يدور حول نفسه.. ويرفرف بيديه.. ويتلمس بطون الناس.. ويقبلهم.. ويجيد تقطيع الصفحات إلى قطع متناهية الصغر.. ويحب الألوان والتلوين.. ويرتب الأشياء بدقة مدهشة.. ويستخدم رصيدا فقيرا من الكلمات نطقا .. ويتواصل ويعبر عن نفسه باستخدام بطيئ للحاسوب .. ملتصق بأبيه – أو لعل الأب هو من التصق به حبا وخوفا-.. ويكاد كل هذا لا يعني شي للعالم الذي يعيش فيه.. وكل ما يراه العالم منه أنه غريب .. أو مجنون.. فياللعجب والدهشة.. ويال ما ينتاب أباه من وجع حين يجتر في كل مرة يحتك بها “أندريا” مع الناس عبارة: أنه طفل متوحد.. إن عانقك فلا تخف..
في ختام الرواية يفضي أبو اندريا بخاطرة مفعمة بالفرح مختومة بصدمة .. فأبوه يخشى أن يتركه وحيدا في عالم هو فيه وحيد حتى لا يؤذا.. فهل يا ترى ستضل الخاطرة خاطرة.. أم أنه سيأخذه معه بعد الحفل إلى الجنة..؟ !
وفي النهاية..
الرواية تجربة عاطفية غنية للتعرف إلى عالم التوحد وأهله.. وفرصة ذهبية لأي أم وأب شغوفان بالتعرف على التوحد أكثر.. وعلى معاناة غيرهم من آباء أطفال التوحد بعيدا عن المصطلحات العلمية والمقالات الاعتيادية..
وآخر البوح..
لماذا نخشى المختلف ..وننفر منه .. ونجنح فورا إلى سوء الظن به بل نتهيأ غالبا لوقفه عند حده.. أهي غريزة الحماية.. أم ضيق الأفق.. أم اضمحلال في إنسانية..؟ ؟
رسالة
الحب الصح أعظم قيمة تقدمها لأي إنسان تحب.. وتزدا هذه العظمة عظمة إن كان من تحب من ذوي الهمم .. ابنا كان أو أخ أو اي ذي صلة رحم..

أضف تعليق