جسمك يتذكر.. أجل .. كل شيء

في بداية الأمر تساءلنا.. لماذا ترجم اسم الكتاب بجسمك يتذكر كل شيء.. لماذا لم يكن عنوانه جسدك يتذكر كل شيء مثلا؟ فتبين بالبحث أن هناك – ولا بد – فرق بين الجسم والجسد.. فالجسم هو بنية الإنسان بلا رأس أو أطراف.. أي جذعه، أم الجسد فيشمل بنية الإنسان كلها من الرأس حتى أخمص القديمين.. إذا لماذا لم يكن جسدنا هو الذي يتذكر بما أن الآلام الناتجة عن هذا التذكر تجتاح كل البنية الإنسانية بلا تمييز بل بعشوائية تسقط النفس في حيرة قد يشاركنا فيها الاطباء احيانا.. لماذا.. هل لأننا نشعر بالنفس في الجسم.. في هذه المنطقة التي تتقابل فيها أطرافنا ويرتكز عليها رأسنا مثلا.. أم لماذا؟

ولكن فلنترك ذلك التساؤل عن الترجمة واختيار الجسم عوضا عن الجسد قليلا، ولنقف عند محتوى هذا الكتاب الذي – في ملتنا – لا بد أن يقرأ لمرة ثانية وثالثة.. بل لا بد أن يكون محطة فهم يلاذ بها كلما عصفت بذلك الإنسان المتعرض للصدمات عاصفة حطمت بوصلته الهشة أو زورت أرقامها، أو راودت سهمها المسدد عن استقامته فجنحت به عن جادة الصواب.. أجل..

إذاً، الكتاب الواقع في 549 صفحة – إذا ما استثنينا الجزء الذي يخص المراجع والممتد ذكرها في 182من صفحاته والمقدمة التي تحوي ماقيل عنه – يتكون من خمسة أجزاء بدأت بإعادة اكتشاف الصدمة، مرورا بهذه حالة دماغك، وعرجت على عقول الأطفال، وشرحت بصمة الصدمة وختمت بالتعافي ثم تأتي الخاتمة يلها ملحق للمعايير المقترحة المجمع عليها لاضطراب الصدمة التنموية، الأمر الذي يشعرك بأن الكاتب أبى إلا أن يخبرك بكل شيء يستطيع أن يضمه بين جلدتي كتاب ليضعه بين أيدي الناس.. كل الناس أي ناس.. لعله بهذا يضعهم على أول طريق النجاة.. وإن لم يكن نجاة فعلى الأقل والأهم.. يكون فهم.

و خلال قراءة كل تلك الأجزاء وفصولها، اطلعنا بدهشة – بثت الكثير من التساؤلات والتعجب في عقولنا – على قصص متنوعة العوامل مختلفة التفاصيل، متوافقة في ترك صدمة تنوعت آثارها ومعاناة الإنسان منها، ووحين بلغنا الفصل الثالث: النظر في الدماغ: ثورة علم الأعصاب. حيث شرح د.بيسيل بالصور والتفصيل المبسط الطريقة المبهرة التي يعالج بها الدماغ الحقائق والذكريات على سبيل المثال، فبتنا بعد هذه الوقفة أكثر فهما لكينونتنا.. لمن نحن.. توقفنا طويلا..

وكلما أمعنا في قراءة الكتاب فصل إثر فصل.. تساقطت خرافة أننا نحن المسيطرون على كل أحاسيسنا وردود أفعالنا، وتبددت حقيقة أنا كنا نعزوا ما يجتاحنا من مشاعر.. ما يفلت من بين أصابعنا من سلوك أو كلمات إلى ضغوطات كذا ومزاج كذا وفلان وعلان.. ولعمري أننا في صفحات هذا الكتاب.. بين سطوره وعلى اسنتها.. وجدنا أشلاءنا مبعثرة.. أجل.. كنا هناك.. عبر عشرين فصلا في خمسة أجزاء كونته.. كنا هناك ولكن في زمن مختلف.. في بلد مختلف.. وبأسماء مختلفة.. لذى فنحن حين كنا نقرأ الكتاب لم نكن نقرأ السطور بل كنا نجمع الأشلاء من عليها حتى تكدست تلك الأشلاء بين أيدينا وعلى كواهلنا.. نعم..عشنا ذلك.. نحن.. الذين تعرضنا للصدمة.. للصدمات.. ولكن..

لكن ماذا بعد أن عرفنا.. ثقلت تلك المعرفة في صدورنا حتى تصدع الصمت وانبثقت من بين شقوقه حمم غضب مذيلة بحزن لم تطعمه أنفسنا من قبل.. ماذا بعد أن عرفنا.. أين السبيل.. كيف نزيح كل هذا الركام… ما مصير كل هذه الاشلاء.. من نحن بلا الصدمات.. من كنا لنكون اليوم.. من يعيد إلينا بدايات عمرنا ويتعهد بأن يعيد بناءنا حتى ترتق اشلاءنا.. حتى تكتمل حقيقتنا.. الحقيقة التي خلقنا عليها.. لا هذا الوهم الذي نفخناه واتخذناه سكنا.. لنحيا حياة أقل ألماً.. أوضح بصيرةً.. أقوى رسوخاً … ماذا بعد.. ماذا بعد أن عرفنا؟!

ماذا بعد وقد وقفنا على كل تلك المعاناة التي تكبدها د.بيسيل فان دير كولك – مؤلف الكتاب وزملائه – حتى يدرك ولاة الأمر في موطنه بأن اضطراب ما بعد الصدمة – الذي يتخذ من هذا الكتاب ركيزة ومنطلق – لا يقتصر على الجنود العائدين من الهزائم العظيمة في الحروب العالمية واخواتها بل و حتى الانتصار لم يغني الائك الجنود عن الوقوع في شرك الصدمة وبوائقها… بل حتى الأطفال.. بل إن الاطفال هم الركيزة التي يجب ان تطهر وتحمى من الصدمات وأهوالها.. من لطفولتنا.. من لطفولة غدنا.. الاطفال.. وماذا بعد أن عرفنا..؟

ماذا بعد وقد شهدنا ما بذلة د.بيسيل في سبيل أن يستطيع إنسان الأمس الذي سحقته الحياة.. وإنسان الغد الذي بالكاد تبرعمت في سلوكه علامات اضطراب ما بعد الصدمة، أن يتجاوزها.. د.ببيسيل أراد أن يخرج الناس من حالات القتال أو الهروب (التي تسببها لهم الصدمة) ويعيد تنظيم تصورهم للخطر وإدارة العلاقات…. وأن يشعرون بانهم محتضنون بأمان في قلوب وعقول الأشخاص الذين يحبونهم.. وأن يساعدهم عل الشعور بالأمان والارتباط الهادف بالآخرين فلا يبقى لديهم سبب وجيه لتبديد حياتهم في تعاطي المخدرات والتحديق الى التلفزيون بخدر، ولا يشعرون بأنهم مجبرون على حشو انفسهم بالكاربوهايدرات أو الاعتداء على إخوتهم من البشر .. ونجح إلى حد ما في ذلك.. و لمثل هذا جاء هذا الكتاب ليغدوا كل إنسان منسي مسحوق ينوء بألمه في الظلام .. انسانا أجمل.. لكن من للإنسان عندنا نحن..؟ هل من د.بيسيل فان ديركولك يخصنا.. يسخر حياته لينقذنا نحن او الاجيال القادمة بعدنا..؟

انتهينا من قراءة الكتاب..وأعدنا تصفحه ..وبقي السؤال المر حائر في أنفسنا.. كم سنة ضوئية نحتاج لنصل إلى ما وصل إليه د.بيسيل وفريقه ومؤسساته التي تعنى حقا بالإنسان ولا تسلعه.. وماذا بعد..؟؟

وآخر البوح..

علمنا هذا الكتاب أن للفهم ثمن..للوعي ثمن.. لخوض كل تلك المعارك مع النفس وذوي السلطة من الناس ثمن.. قد يكون ثمنا بخس دراهم معدودة.. وقد يكون عمر..

وندرك أننا لا نستطيع في هذه السطور القليلة أن نوفي الكتاب حقه حقا.. لكننا وبعد أن نقف ونرفع القبعات ونصفق للدكتور بيسيل فان ديكولك . ندعوا كل إنسان عل وجه البسيطة أن يسعى إلى قراءة هذا الكتاب ما استطاع إلى مثل هذا السعي سبيلا. ونخص بذلك القائمين على رعاية الاطفال على اختلاف تخصصاتهم ومواقعهم الاجتماعية او المهنية او الإدارية… فضلا لا أمرا.. بل حاجة ماسة لا رفاهية.

نشعر بالاضطراب فيما كتبنا عن هذا الكتاب..

وهذا ما فعلته بنا قراءة هذا الكتاب.. فاقرؤوه.. حيكوا قصتكم معه وأخبرونا..

رأي واحد حول “جسمك يتذكر.. أجل .. كل شيء

اضافة لك

  1. التنبيهات: seejaalbookclub

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑