
في هذا الكتاب الذي كلما قرأته شخصيا – وخاصة في بداياته – شعرت بنفسي تخوض في كثيب من الرمال.. أو بركة من طين لازب.. أو كأني أقف وسط عاصفة هوجاء في ليلة مظلمة وأنا أعلم أنه يجب علي اجتيازها.. بلوغ ما بعدها.. على الرغم من أني لا أعرف عن ذلك المابعد شيئا.. حقا صعبت علي قراءته حد التوقف التام عنها لأيام.. أنا التي لا بد أن اقرأ في كل يوم..
لم يفتأ هذا الكتاب طوال قراءتنا له إلا قليلا عن نكت تلك الساحات الساكنة في الظلام من أنفسنا.. نحن الذين من فرط توالي السنون صدقنا أنها سكنت حد الموت.. لكنها لم تمت بل نحن.. نحن وقد مات منا ألما الكثير – ونحن أحياء نرزق – نمضي في الحياة بأجساد لم تنهار بعد.. نمضي مستسلمين لحتمية الانهيار تلك بدعوى العمر.. الشيخوخة.. والعادي.. حتى أتى د.جابور ماتيه ليخبرنا أن هذا العادي ما هو إلا خرافة، لكن الخرافة هنا ليست في حقيقته بل في تصنيفه بالعادي..!
فلهذا الذي كنا نعتقد أنه عادي ثمن.. لم يدفعه أحد سوانا، والثمن كان أمراضا وأسقاما مزمنة تقارع الأدوية أعراضها لعقود من حياتنا وتبقي، وعلل د. جابور ذلك بشرح الخلل في النظام الطبي العلاجي، بل اثبت أن ذاك النظام حلقة في سلسلة تأصل تلك الأمراض في اجسادنا، فلا أحد منهم يسأل عن السبب الحقيقي لتلك الامراض.. لا أحد يطر الباب الصح لمعالجتها أو يتبع منبعها.. فلا طبيب يسألنا عن طفولتنا، عن ماضينا، عن ما نشعر به .. انهم يركزون في اي مرض سيتطابق مع العرض.. ولا تثريب عليهم في ذلك، فهذا هو العادي.. لكن ماذا لو وضعت تلك الأسباب على طاولة الحوار بين الطبيب ومريضه.. ماذا لو لم يعاملوا المرضى معاملة لغزا عليهم اثبات جدارتهم في حله.. ؟ مثلا..
لكن د.جابور يخبرنا بأن هذا ليس عاديا.. وأن الكثير من آلامنا هي صرخة نفس عبر الجسد.. نفس لم تعد تطيق حمل كل هذا وحدها فبثته في الجسم في هيئة علة أحيانا.. قد تودي بالحياة.. ويدعم د.جابور ذلك بعشرات القصص التي عاشها مع مرضاه ومقابلات اجراها مع زملاء مهنته شخصيا.. والجميل في هذا أنه استهل سرد تلك القصص بقصة شخصية حدثت له مع زوجه قبل تأليفه لهذا الكتاب بست سنوات … وختم القصة قائلا.. “مشكلتي أنني متزوج بامرأة تفهمني” ثم اردف ” نعمة كبيرة أن أكون متزوجا بامرأة لديها حدود صحية، تراني على ما انا عليه الان وتأبى تحمل وطأة زياراتي المطولة العشوائية إلى الماضي ” ومشكلتنا يا د.جابور أننا عبرنا ردحا طويلا من الزمن بلا علاقة فيها من يفهمنا.. ومع من لا معنى للحدود الصحية لديه كنا.. ومع من لم يرينا ما نحن عليه ولم يرانا قط.. فجعلنا من الماضي قبلة.. ودرعا.. وسكنا..!
ما تركه فينا هذا الكتاب من أثر لن ينتهي.. وقراءتنا له لن تتوقف.. لذى سنكتفي بما كتبنا عنه آنفا، وشنشارككم أدنا بعض الجمل التي لا تزال تطبق على صدورنا.. والجمل التي أخذتنا بين ذراعيها وربتت على ظهورنا.. والجمل التي علمتنا ما لم نكن نعلم وهكذا..
مقتبسات من الكتاب:
نصير اقرب إلى الصواب عندما نسال: اين يقف كل منا على طيف الصدمة الواسع الشامل بدرجة مذهلة؟ أي رضوض حملها كل منا طوال (أو أغلب) عمره ؟ ما الآثار التي نجمت عنها؟ وما الافاق التي ستنفتح لو صرنا أكثر إلماما بها، بل وتصالحا معها. ص37
لا يمكننا تعليم النضج، ولا يمكنن إغراء الطفل به أو إجباره عليه. ما علينا فعله هو تهيئة الظروف التنموية التي تلبي احتياجات الطف غير القابلة للتفاوض، ثم تعتني الطبيعة بالباقي بشكل او بآخر. ص138
إننا مثل بقية الكائنات الحية، نأتي إلى العالم متوقعين أن تسير الحياة وفق معايير محددة. لأننا كائنات قادرة على التكيف، يمكننا تحمل الظروف القاسية ولكن بثمن. ص160
ومثلما لم التق قط شخصا اختار طريق الإدمان طواعية، لم أصادف أيضا مدمنا لم يلب إدمانه – في بداياته على الأقل – حاجة إنسانية جوهرية. ص213
ثمة نمط يتكرر باستمرار، وهو زيادة نشاط الجينات الالتهابية لدى الأشخاص الذين يعايشون فترات مطولة إحساسا بالخطر وانعدام الأمان. رصدنا هذا النمط أيضا في الفئران والقردة، بل وفي الأسماك. كلما زاد تعرضك للضغط أو الخطر أو عدم اليقين، كثف جسمك من تفعيل آلية الدفاع تلك التي تفاقم الالتهاب. ص271
المعنى، شأنه شأن احتياجاتنا الأخرى، توقع متأصل في فطرتنا، وإنكاره لا يمر من دون عواقب وخيمة. أنه ليس مجرد احتياج نفسي، بل شيء تلتقطه هرموناتنا وأجهزتنا العصبية إشارات حضوره أو غيابه. ص280
كلما ازددت هشاشة ازددت أنوثة، وكلما ازددت حصانة ازددت رجولة. هكذا يقمع الضعف الإنساني الهشاشة البشرية البسيطة. يحاول الرجال الارتقاء إلى معيار غير إنساني ويطاردهم شعور دائم بالفشل في الوصول إليه. ص326
إننا نشيح بأبصارنا عن الألم، خشية أن تتسلل قسوة الواقع إلى العالم السحري الذي صنعناه. ص339
وعليه، تقع على عاتق كل منا فرادى وجماعات مسؤولية البحث عن مصادر بديلة للمعرفة ودعمها وتقبل عدم اليقين، والانفتاح على وجهات نظر الآخرين، سواء باتفاقنا معها أم لا، والإنصات إلى الناشطين الذين يعملون بكد على أرض الواقع، والبقاء منتبهين إلى التفرعات العديدة التي تمدها خرافة العادي من أجل الحفاظ على عاديتها. من شأن هذا أن يمثل نوعا جديدا من المواطنة، نابع من احتياجات اللحظة الراهنة ومتطلباتها. ص 452
اجتهدت هنا لانتقاء تلك الجمل، وأعتذر لكل تلك الجمل التي لا يسعني حصرها هنا، وأدعو كل ذي قلب.. نفس.. جسد.. مثقل وكل ذوعقل يتفكر إلى أن يقرا هذا الكتاب.
وآخر البوح..
نقف.. نرفع القبعات.. ونصفق طويلا لدكتور جابور ماتيه، وللترجمة الرائعة للأستاذة: إيمان سعودي، وإلى دار عصير الكتب التي نقلت لنا هذا الجمال الثمين إلى اللغة العربية الحبيبة الفصحى.

أشعر أن هذا الكتاب من الكتب التي لا تُقرأ مرة واحدة، ولا حتى على عجل. كتاب يحتاج منك أن تمنحه وقتك، وأن تعود إليه بين حين وآخر، ولا تغضب إن غاص فيك أو غصت فيه، فبعض الأفكار تحتاج وقتًا حتى تستقر في عقولنا.أكثر ما أعجبني في الكتاب هو سلاسة أسلوبه، رغم عمق الموضوعات التي يناقشها. شعرت أنني مهما فتحت من صفحاته، سأخرج منها بفائدة أو فكرة تستحق أن أتوقف عندها قليلًا. الكتاب مرتب على فصول وأبواب، والكاتب وُفّق كثيرًا في طريقة سرده وترتيب أفكاره، حتى إنك تشعر أن كل فكرة تمهّد لما بعدها.ولكن، وكما قلت سابقًا، لأنني ابتعدت عن قراءة الكتب العلمية منذ فترة طويلة، شعرت بشيء من الإرهاق أثناء قراءته. والغريب أنني استمتعت بهذا الإرهاق! ذكّرني بشعور حل مسألة في الفيزياء أو معادلة في الكيمياء؛ ذلك التعب الذهني الذي يصاحبه فضول، ثم تأتي بعده لذة الفهم. افتقدت هذا الشعور منذ زمن، وربما لهذا السبب كانت تجربتي مع الكتاب مختلفة.لا أستطيع أن أقول إنني استوعبت كل ما قرأته، ولا أظن أن قراءة واحدة تكفي أصلًا. هناك أفكار أشعر أنني بحاجة إلى العودة إليها، وأخرى ربما سأفهمها بشكل مختلف بعد سنوات، وهذا بحد ذاته أحد الأسباب التي تجعلني أرغب في الاحتفاظ بهذا الكتاب والعودة إليه.أنصح الجميع بقراءته واقتنائه، لا أقول اقرأه في أسبوع أو شهر، ولا حتى في سنة. ضعه في مكتبتك، وعد إليه متى شئت، واقرأ منه ولو صفحة واحدة في السنة.فليس كل كتاب نقتنيه علينا أن ننتهي منه، بعض الكتب يكفي أن تبقى قريبة منا، نعود إليها كلما شعرنا أننا مستعدون لفهم شيء جديد.
إعجابإعجاب
أجل.. اتفق مع كل حرف كتب هنا.. كتاب مرهق حد الاستمتاع، ولا تكفيه قراءة واحدة، ولا تليق به إلا القراءة المتأنية، ولا بد من العودة إليه مرارا..
إعجابإعجاب