مرتين وثالثة سريعة، هي عدد قراءتي لهذه الرواية التي تبدوا عادية في صفحاتها الأولى..لكن.. كلما أوغلت في قراءتها كلما رزحت تحت سحر حبكتها التي ستثير فضولك مبدئيا.. ثم تسارع إلى العبث بمشاعرك زاجة بك في معترك تدور رحاه ما بين حيرة وفهم.. استنكار وألم.. فهناك امرأة تروي ذكرياتها من عالم بدى كأن الصراع هو حال العلاقة بين الرجال ونساء فيه.. ثم يتحول الصراع إلى معركة للبقاء تخوضها النساء مع الحياة.. وقد نسجت تلك الصراعات في حبكة نفسية.. خيالية.. اجتماعية أو أخلاقية.. لست أدري..، لكنها تستفحل في مفاجئتك، وتزكي في داخلك اشتعال سؤال لا يكاد يهدأ أواره إلا مع اقترابك من النهاية.. حين لا يبقى في مشاهد الأحداث سوى امرأة واحدة في.. من أصل الأربيعن امرأة اللواتي كنا محبوسات في قفص في مبنى لا نافذة فيه ولا زائرين له إلا..رجال ثلاثة مقنعي الوجوه، مدججين بالسلاح والسياط وهم يراقبون تلك الأربعين.. طوال الوقت الذي لم يعرفن – ولم نعرف نحن في البداية – ليله من نهاره.. لكن الحكاية.. صفحة إثر صفحة.. تبدو أعمق من كل ذلك.. وفي كل عمق يزداد السؤال أجيجا.. كانت تلك المرأة الباقية الوحيدة طفلة يوم حبست.. وكانت في ريعان الشباب حين سنحت فرصة الهروب وذلك الحبس.. وفي الاربعين من عمرها في النهاية.. وكان اسمها “الطفلة”
جاء الهروب ذاك فجأة.. كالفجأة التي بدأت بها أحداث حبس النساء تلك.. حيث يدوي انفجار ما ، فيهرب الحراس الثلاثة.. و باب القفص مفتوح، فتلوح فرصة النجاة من الحبس ذاك… وها هن ذا يكتحلن أخيرا بضوء النهار..و يستنشقن عبير الحرية على وجل.. ويطلقن أبصارهن بامتداد السهل الشاسع المكسي بشيء من العشب وقليل من الشجر.. ويلف كل ذلك صمت لا يقطعه سوى تكسر العشب تحت وطئ اقدامهن وهمهمات الفرحة المشوبة بالفزع.. فيتعاون فيما بينهن ويتأهبنا معا للانطلاق بعد ذاك في سير طويل لعلهن يصلن إلى ديارهن.. أو إلى أي معلم يألفنه.. أو إلى أي أحد يساعدهن.. أو أي شيء يعيد إليهن ما سلبه ذلك القفص.. لكن السنين توالت عجعفا، والسير الحثيث هذا لم ينقطع.. والأمل ذبل.. والنجاة لم تأتي ولم يعثرن على أحد.. ولم يصلن إلى شيء سوى.. أرض شاسعة كلها ملاجئ.. والملاجئ تعج بالجثث.. جثث أربعين قد تنقص عن ذلك لكنها قط لم تزيد..! ولم نعرف سر الأربعين حتى تخلينا عن معرفته مستسلمين للقادم من أسرار هذه الحكاية..
ذبل الأمل حتى تلاشى، ومعه تلاشت الرغبة في مواصلة المسير، فإلى أين بعد كل سنوات الاستكشاف تلك سيصلن!.. ما الذي تغير! فلقد كان السجن جدران وقفص وحراس ثلاثة، ثم بات سماء وهواء وعشب وماء وشجر وطعام معلب وجثث، وهياكل عظمية فاستشرى اليأس بين النساء حد المرض، ومع المرض استفحل الألم بكل أعراضه.. فبأي شيء سيوقفنه وكل النساء كن ربات بيوت لا يقرأن ولا يكتبن باستثناء واحدة كانت تدرس التمريض، فإذا لا مفر من ذلك الألم إلا الانتظار وتحمل مزيج الصراخ والأنين حتى يسكته الموت أو.. الفرار إليه..أجل… فررن إلى الموت.. وسبيل الفرار سكينة.. بيد “الطفلة.. وتعليمات الممرضة..!
كان ذلك يجري عبر لحظة صمت متواطئ مع الموت والحزن تعتريهن جميعا.. وتهيل على قلوبهن مزيدا من اليأس الذي بات يخيم على كل شي.. ويا لها من لحظات.. اجتمع فيها الحب بالشناعة بالصدمة.. فالحب كان دافع الطفلة.. والشناعة كان فعلها و حكم البعض منا على الوسيلة.. والصدمة أن تلك كانت الوسيلة.. لكنها في عالمهن الغرائبي هذا – وبغض النظر عن قلوبنا المرهفة – قانون ظاهره القسوة وباطنه حب.. رحمة تجلت في لمسة يد على وجنة الطفلة.. أو نظرة عين – مغرورقه بالرجاء والصفح – تكيل توسلاتها إلى عينيها وهي.. تقتلهن.. لله در قلمك يا “جاكلين هاربمان” فلقد حبكتي هذا المشهد بجدارة تساقطت أمامها كل أحكامنا على الطفلة وتلك النسوة.. فتواطأنا نحن مع الصمت ذاك أيضا.. حد اللذة والألم..
وقريبا من الخاتمة.. أصيبة “الطفلة” بطلة الرواية وساردتها بالسرطان.. في ذلك الجزء الذي لن يعرف الرجال من جسدها، ولم يعرف الطمث أبدا، وهي التي لم تعرف اليأس قط، ولم تستسلم قط، وابتكرت آلية حساب للزمن في زنزانتها.. وبنت الكثير من العوالم في مخيلتها عبر الوقت الطويل الذي عاشته وحيدة في الحبس ذاك حين لم تقدر النساء على الاعتناء بها في بواكير طفولتها، ولم يتجاذبن أي نوع من الأحاديث معها حتى كرهتهن، فهي صغيرة على أحاديث النساء.. وبنت البيوت وقطعت الطويل من المسافات كي تجلب الطعام.. وغرست السكين في قلوب الراغبات.. و.. كانت تلك الطفلة اكثرهن حرية في كل حبس كن فيه معا.. وكانت اكثر استقرارا واتزانا.. حتى وهي تستعد لذات مصير المريضات.. وبيدها أيضا..
لكن بكرامة استقت معناها من مشهد جثة لرجل – في الملجئ الوحيد الذي كان فيه جثث رجال أربعين أيضا – كان يجلس بين الفرش ناظرا إلى الأمام كأنه متهيء لاستقبال أحد ما.. فجلست الطفلة مثله لكن على السرير الوثير بين الوسائد والبطانيات بعد أن رتبت كل شيء ونظفته… وشحذت السكين حتى باتت شفرتها رفيعة ومسطحة.. وتيقنت من مكان غرسها بين الضلعين.. حيث ستصل إلى قلبها وتوقفه..
كان لديها أمل في أن يأتي أحد ما لزيارتها.. فطفقت تكتب مذكراتها.. فلا يمكن أن تمر هي وتلك النسوة بكل ما قاسينه دون أن يعرف عن ذلك أحد في أي زمن.. وكنا نحن – قراء هذه الرواية – ذلك “الأحد” الذي قرأ تلك المذكرات (الرواية)… نحن الذين لا ننتمي إلى ذلك العالم الذي جرت فيه الأحداث تلك.. ولا نستطيع البحث عنه.. ولن نكتشف الملاجئ.. ولن نكشف الأقنعة عن هوية الحراس.. ولن نجد مخطوطة الرواية هذه.. وسنسيح في سهول الرواية وسمائها ولن نحصل على أي إجابة عن أي تساؤل تثيره فينا.. وسنفقد الأمل في أن نلبي أمنية الطفلة الاخيرة.. أن يكون هناك أحد ما.. أمل ما.. لقد كنا نحن هناك معهن.. ونحن هنا..
وآخر البوح..
هذه الرواية أكبر من ان نغطي كل جوانبها.. ولم نستطع سبيلا إلا إلى ما لا يزال يرسم على محيانا ابتسامة الظفر بقراءة نص رائع كهذا…
“جاكلين هاربمان” شكرا من الروح على هذا اجمال..
و إلى دار جلسة للنشر والتوزيع، شكرا على نقل هذا الجمال إلى القارئ العربي.
ودمتم سالمين.


أضف تعليق