هكذا الحياة وإلا.. ماذا؟

هناك كتب حين تفرغ من قراءتها لا تفرغ هي من إشاعة مشاعر اللذة في نفسك..وهكذا هي رواية : هكذا الحياة، على الرغم من أنها تبدوا كرواية تاريخية.. إلا أن تفاصيل الناس فيها – وهو أكثر ما يجذبني في قراءة اي رواية – لا تزال حاضرة في مخيلتي للدرجة التي أكاد معها ـن أرى لكل شخصية فيها ملامح مستقلة مميزة منذ كانوا فتيانا حتى شبوا.. و كذلك الشخصيات التي كانت في عز شبابهم حتى أوهنها الشيب.. ناهيك عن الأماكن.. التضاريس.. المباني.. كل ذلك حاضر ويحضر في مخيلتي كلما تذكرت الرواية أو تحدثت إلى أحدهم عنها..

تحكى الرواية على لسان رجل توزع عمره ما بين الصين مسقط رأسه..وطنه.. و إسبانيا التي وصل إليها وهو طفل لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره حين هربه أبوه وجده وحيدا في سفينه.. فغالب الحياة يوما وغالبته أياما حتى استطاع العودة إلى مسقط رأسه وقد أصبح رجلا في الخمسين من عمره.. فزار تلك القرية المنسية بين جبل النمر.. وجبل التنين.. جاءها وهو دافئ الجيب محمل بالأسئلة العتيقة عن حقيقة والده… وما جرى للعقيد.. عن ذلك البؤس الذي داهم حياتهم باسم العدالة والحرية عن ذلك الأسى الذي أشاعه مجتمعه الفضولي العتيق المحاصر بالعادات والتقاليد التي يخترعها الناس ويحكم عليها الناس ويتحكم بها كلاً بحياة كلاٍ… عاد ليعرف كيف باتت قريته عقب تلك الحروب التي قتل فيه الصيني الصيني تحت الكثير من المسميات.. !

وكلما قرأنا الرواية أكثر اتضح لنا أنها لم تكن عن الأحداث التاريخية بقدر ما هي عن إنسان ذلك التاريخ.. حيث تحول فيه صغار القوم إلى أسياد عليهم.. فاختلطت الحقائق بالأوهام، وتفسخت عرى العلاقات الاجتماعية.. وكشفت عن نفسها الضغائن في صورة قانون وقرار.. فما عاد الصديق صديقا، وما عادت لقرابة الدم وزنا ولا حتى رائحه، حتى بات من كان يوشى بالأوسمة وتغدق عليه الهبات طريدا متهما بالخيانة مهدد الحياة.. فعقدت المحاكم.. واصدرت الأوامر.. في فوضى عارمة قاسية أدارها جهل وسلطة.

بنى الكاتب الرواية على شخصية “العقيد”، الذي يعود بين ليلة وضحاها إلى القرية فتبدأ الناس – كعادتهم في ذلك المكان – في حبك الإشاعات حول عودته – ثم قاد بتلك الشخصية الأحداث و بنى حولها باقي الشخصيات كاشفا من خلالها الوجه الإنساني لحقبة الصراعات السياسية والحروب الأهلية منها والاستعمارية التي تعرضت لها الصين، وفي أي المدن كانت ومن هي قياداتها الحربية ولكن ليس بمشاهد السلاح والدم بل بمواقفهم بسلوكياتهم كبشر.. باختلاف مواقعهم ومكاناتهم ورتبتهم.

لكن تركيز الكاتب الأكبر كان على إنسان القرية.. القرية الغافية الغافلة.. و ساكنيها الذين كانوا يقتاتون على الإشاعات في عالم منغلق لا يدركون فيه ما بعد القرية والجبلين.. ولا يعنيهم أنهم لا يعرفون للقراءة والكتابة سبيلا.. فباتت قلوبهم كعقولهم خاوية ميالة نحو ما يسمعون ووفق حاجتهم ومطامعهم، فيصدقونه حد الإيمان به.. ويحمون إيمانهم ذاك وإن دفعوا إنسانيتهم ثمنا له.. فتضعضعت أركان تلك القرية وما كادت تصحوا حتى غرقت في جهل أعمق.. سمى الثائرون في المدن ذلك مجدا… لكن أساسه ملطخ بالدمار.

طعم الكاتب هذه الرواية بشخصيات منقسمة إلى جيلين، جيل الآباء كان منها الشرطي العجوز العربيد فاحش اللسان، الاب الجاف الصديق الصامت الغامض المشكوك في استقامة ميله الجنسي، الجد الملقب بالعراف العجوز المحافظ على العادات والتقاليد المتمسك بالأمثال والحكم الموروثة العتيقة والمؤمن بالخرافات الشعبية، اليسوعي رمز التغير الديني، الاعمى رمز الفقر والعوز، وجيل الواقفين على حافة الطفولة الحاملين وجه المستقبل، الراوي المجسد للحيادية ، الاعمى الصغير المجسد للحقد و للقفزة الاجتماعية الكبيرة ، كماشة اللحم ، الزرافة، وغيرهم من شخصيات تاريخية حقيقية واخرى داعمة..شخصيات حركت باتزان ضمن النص وقد بنيت بإتقان فغدت واضحة الملامح منطقية، أضفت شعورا بتماسك النص ومتانة حبكته من الجلدة إلى الجلدة.

الرواية تسطر لنا صراعات النفس البشرية مع البشر المحيطين بها، كلا وفق موقعه الاجتماعي وما يحمله عقله وقلبه وما يعرفه عن نفسه والوسيلة التي اتخذتها تلك النفس للتعبير عن وجودها والفرص التي انتهزتها لفعل ذلك وكيف كان ذلك الانتهاز.. وتحولنا إلى فلاسفة.. نناقش مسألة الصواب والخطأ.. ونتساءل أين الحقيقة.. ونزداد حيرة في تعريف ماهية الإنسان.. نحن.

وآخر البوح..

من الروح ندعوكم الى قراءة هذه الرواية التي ستخبرك بأن الناس هم الناس.. وان الحياة هي هكذا الحياة وإن كانت في ذلك الزمان الغابر من عمر الصين أو كانت حيات الناس اليوم.

وأجل.. هكذا الحياة.

رأيان حول “هكذا الحياة وإلا.. ماذا؟

اضافة لك

  1. طريقة وصفك للرواية يا أمل يحفزني بل يثيرني لقرائتها في أقرب وقت، وأعجبني تعليقك الناس هم الناس

    إعجاب

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑